القاهرة
فبراير2004
لأن المخططات ما نجحت في جعل التلاقي ممكنا فقد كان لابد من اختلاق الذرائع كي نلتقي. لكننا – رغم الذرائع- ما التقينا: هي ذرائع تقف في وجه ذرائع ، ضدا على الرغبات. كانت قصائد درويش فرصة نادرة للإنصات معا إلى خرير النبع بكامل حواسنا. لكن…"ياخسارة الحلو ما يكملش". هكذا عقبت على شهادة قدمتها ليانة بدر في مؤتمر الرواية.
لكم أشتاق إلى سكرة من طل القصيدة مع …شاعرة. تحملني بسحر همسها إلى خلجان الروح.
مرّ طيف الشاعر الفلسطيني من العاصمة ومررتِ دون أن ألمس أناملك الناعمة. كأن مؤامرة قررت أن تقلع الطائرة نحو الرواية تماما مع تنزّل القصيدة من عليائها. هكذا حملتك – أنا- تميمة في السفر والحل. صديقة ما مثلها ثانية.تعددت الوجوه والأمكنة، تنوعت المشاهد والأطعمة وظللتِ في الركن القصي من الفؤاد…مفردة. ليثك كنتِ معي هناك كي أفرجك على مآثر القاهرة في هدأة الليل. فليل القاهرة مختلف ، وأهلها لا ينامون.
النيل وديع . من غرفتي في الدور السابع من فندق بيراميزا – وعلى بعد أمتار معدودة- كنت أرقب العمارات والأبراج و العبّارات منعكسة على أمواهه العكرة. كانت تنقصني رفقتك كي أرسم المشهد في نظيمة شقشاقة. كي أتوغل عميقا في التفاصيل الدقيقة. لقد كانت القاهرة هذه المرة مختلفة: لأنني وأنا أزورها كما لو أزورها للمرة الأولي. فقط لأنني …أعرفك. من قبل كان الجو المغبر واكتظاظ الساحات وريح الخماسين و… مجرد فوضى عارمة. غير أن القاهرة كانت استثناء بما أتاحته لي من فرص للغوص في الشرايين. ياليثك كنت معي في خان الخليلي مع منتصف الليل وسط هرج الباعة والسهرات التي لا تنتهي. لا تظني سوءا فشوارع القاهرة محتشمة جدا ومقاهيها "دوغري أوي". المصريون قوم مبدعون . الفاقة عندهم أم الإبداع . والحاجة أم الاختراع: يعدون مشروبات من كل ما لايخطر على البال: القرفة والسحلب والينسون والكركدي والقصب . لا شيء يعدل المانجا والجوافة. في المأكل يبدو الطعام فقيرا قياسا إلى الولائم المغربية: كشري وقمر الدين ، البامية والبسبوسة .والعيش (الفطير ) في الأقفاص تحفه أسراب الناموس والأغبرة. سيدنا الحسين والست زينت هما ملاذ الغلابة. الناس يمسكون بشباك الشهيد ويبكون. هناك صليت - رفقة صديق - ركعتين واسترحنا قليلا في جو مطبوع بروحانية لا نظير لها: دعونا لأنفسنا ولذوينا وللأصدقاء باليمن والفلاح. بالقرب منا كان رجل يتوجه نحو السماء متضرعا بصوت مسموع كي يُرفع عنه الضيم.لربما كان مظلوما ولا أحد أنصفه. وحده سيدنا الحسين له الغوث.
قهوة الفيشاوي متفردة : مرايا أثرية بتعاشيق من نحاس. صور على الجدران لأشخاص عبروا المكان. مقهى صغير يخترقه الباعة المتجولون ليعرضوا بضاعتهم المغشوشة قاطعين على الزبناء خيوط التأمل والحديث. مقهى صغير لكنه معتق في الذاكرة. هو كمقهى موريطانيا في حي الأحباس بالدار البيضاء. ملتقى الزائرين وسرة المدينة القديمة. أواسط الليل من النادر أن يجد المرء مكانا بهذا الفضاء الصغير الدافئ الناطق بأصالة متجددة.مازار عظيم القاهرة دون أن يؤم هذا الركن الدافئ. نجيب محفوظ كان أحد رواده الدائمين ذات عنفوان.
شوارع القاهرة سعير.أسطول متهالك من السيارات في رالي مجنون. لا ممرات للعابرين. علي الراجلين تدبر شؤونهم كي يجتازوا الطريق بغير قليل من المخاطرة.ومع ذلك لم نر خلال الرحلة ولا حادثة . سحب الأدخنة ممتدة في عنان السماء وزمامير العربات تصم الآذان. وسواق الطاكسيات يغالون في الأثمنة ويقسمون ألا يتنازلوا عن ثلاثين جنيها ليوصلوك – مثلا- من الدقي إلى الهرم(المسافة حقا بعيدة. والجنيه يصل بالكاد درهما ونصفا) أساوم أحدهم بلهجة معجونة من عربية فصحى ودارجة مصرية. وحينما أخبره بأنني مغربي يرد: أحسن ناس. من يصدقه فقد يقولها للجميع . يخصم جنيهين: لك بس والله ياأستاذ . بلؤم أعطيه ثلاث جنيهات فيصطنع تذمرا لولا أنني لا أتزحزح له عن الثمن . عشرة جنيهات يقول. على خيرة الله أقول. لكنه في الطريق يشكو لك من الظروف والمعيشة ووو. عند الوصول أمنحة خمسة وثلاثين جنيها. يكاد الرجل يطير من الفرح. مصر منورة ياباشا. الناس متآلفون مع الفقر. مليونا شخص يعيشون في القرافة(مدينة الموتى) وسط ال
المزيد