| ► | نوفمبر 2009 | ◄ | ||||
| إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت | أحد |
| 1 | ||||||
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 |
| 30 | ||||||

سبتمبر 24th, 2009 كتبها الحبيب الدائم ربي نشر في , غير مصنف, مشاكسة البحث,
فبراير 19th, 2009 كتبها الحبيب الدائم ربي نشر في , مشاكسة البحث,
يوليو 20th, 2008 كتبها الحبيب الدائم ربي نشر في , مشاكسة البحث,
أقصى درجات الإحباط أو
عندما يبكي الرجال
لوفاء مليح
* الحبيب الدائم ربي

يمثل البكاء أبرز التعبيرات الإنسانية( والحيوانية) المؤشرة على انفعالات قصوى، وهو وإن كان من بين السمات الفارقة لدى الأنثى نظرا لفرط حساسيتها فإنه حين يصدر عن رجل يغدو مدعاة لأكثر من سؤال، سيما وأن المأثور هو أن الرجال لا يبكون لا لأنهم منزوعو الحس وإنما لأن تربية توزيع الأدوار- في المجتمعات الأبيسية- وإعادة إنتاج القيم ( والعلاقات) تعلمهم عدم البكاء، في العلن على الأقل. وحين تقترب وفاء مليح من موضوعة البكاء- لدى الرجال- ومستلزماتها الحدية في معيشنا اليومي، فإنها تبغي ،استعاريا ،تشريح ماوراء الأكمة ،أي نكأ جروح سرية كثيرا ما نتفادى الجأر بها تلافيا لخدش طهرانية زائفة نغذيها بالصمت والتواطؤ والنفاق . والواقع أن لمس ما لا ينبغي لمسه هو واحد من الرهانات الأساس التي نذرت الكاتبة نفسها على استفزاز سدنة الأخلاق من خلاله منذ مجموعتها القصصية الأولىاعترافات رجل وقحسنة 2004حيث كان للبوح و الاحتفاء بتضاريس الجسد الأنثوي حظ وافر من المغايرة السردية لدى الكاتبة، وهي بإصدارها لرواية عندما يبكي الرجال سنة 2007فإنما ابتغت تعميق حفرها في اختلالات الجسد الفردي والجماعي. ولئن كانت قطرة العجز الجنسي قد أفاضت دمع بطل الرواية فإن نهر العقم السياسي قد جرف معه كثيرا من الأوهام (والأحلام) في حياة أجيال كاملة من المغاربة الذين عايشوا المخاضات الصعبة لفترة نهايات القرن العشرين وبدايات الألفية الثالثة…حيث عجز الفرد يقابل عجز الجماعة.وخصاؤه يناظر خصاءها. ..
وما دموع الرجال، كعلامة سيميائية في الرواية، سوى مجرد كناية على طفح الكيل والمعاناة، وهي كناية حارقة حتى أن النساء لو علمن لوعتها لتوقفن عن البكاء(ص.100). والكاتبة في سعيها إلى خرق المسكوت عنه والمتهيب منه تسلك سبلا شتى متضافرة، تتقاطع كلها في قصة حب خائبة وغير متكافئة بين فاتن الإدريسي( العشرينية،المجازة في الحقوق والعاطلة عن العمل) وأستاذها القديم أحمد البوكيلي(الخمسيني). صحيح أنه رغم فارق السن الخطير بينهما، وهذا مؤشر درامي، فقد كانا يتقاسمان الأحاسيس والأفكار ذاتها وكذا الإحباطات.لولا أنهما كانا منذورين للتباعد والقطيعة لأسباب ذاتية وموضوعية.فاتن تملك جسدا ضاجا بحيوية الشباب والرغبة المتأججة، والبوكيلي يعاني من عجز جنسي ما انفك يداريه بالكتمان أولا، وبالخرافة ثانيا ، وبعدم قناعته في الطب العلاجي ثالثا، دون جدوى..وكلما خطت فاتن خطوة إزاء البوكيلي تناءى عنها هو خطوتين دون تبرير الأسباب، لأن في التصريح بها مذلة أهونها الانتحار الذي كان اختيار الأستاذ الأخير،خاصة وأن أناه الأعلى ما انفك يذكره بأنهرجل عاجز في السرير،وفي معركة الحياة(ص.171)فبما أن علاقته بالمرأة قد تشوهت وأصيبت بالعطب(ص.170)، أو بالأحرى لم تعد هناك علاقة أصلا ، فإن صلته بالعمل و بالحياة عموما باتت بلا معنى…هذا ما
مايو 8th, 2008 كتبها الحبيب الدائم ربي نشر في , مشاكسة البحث,
في "رماد البارحة" لنور الدين وحيد
-الحبيب الدائم ربي
عندما وسم نور الدين وحيد، قبل بضع سنوات، فاتحته السردية بعنوان "غدا تكتمل الحكاية" كان، بلا شك، قد رنا إلى الغد على مدى تحليق عصفور، ورسم خلف الليلة الثانية بعد الألف النواة (أو النهاية) الخبيئة لكبة الحكاية، أما حين أصدر روايته الثانية "رماد البارحة" فقد ارتقى بفرضيتين، على الأقل، ظلتا موضع تنازع، إلى مستوى القانون : أولاهما أن الإبداع الروائي والقصصي، في ساحتنا الأدبية، لم يعد محمية للمتأدبين من خريجي الأقسام اللغوية، فكما اقتحم أهل الفلسفة والإعلام القانون والتاريخ والسياسة… حظيرة الكتابة السردية –وبنجاح لافت أحيانا، فإن لتخصصات أخرى أيضا حقها في حرث وتقليب مشاع هذه الأرض المستباحة، ولأنه (نور الدين وحيد)، هو الجمركي، اعتبر إصداره الأخير مجرد جزء أول من مشروع حكائي لا تلوح في الأفق المنظور بوادر اكتماله، فذاك مؤشر قوي على أنه لم يدخل الحلبة لأجل النزهة والاستطلاع، وإنما بغرض التأكيد على أنه جعل من "تسريد" اختياره الإبداعي قرارا لا رجعة فيه.
وثانيتهما، أن المصب الافتراضي للحكاية، أية حكاية، يوغل في نأيه كلما تناءى النبش في حمإ الينبوع الذي يشكل "رماد البارحة" مربط فرس الحكي فيه.
ولئن كانت الرواية الأولى للكاتب قد اختطت لنفسها منحى تجريبيا طبعه، غير قليل، من التوثب والمراوحة بين السيري والتخييلي في كرنفال يتداخل فيه ويتخارج النضال الطلابي بالخيال العلمي، والحس الشاعري بالرعونة الشطارية، فإن نهر الكتابة في الرواية الثانية –بظننا- قد نحت مجراه وسط النتوءات والتضاريس البكر، وعثر –أخيرا- على إيقاعه الطبيعي في بلاغة أخرى تتماس مع البلاغة المدرسية حينا وتحيد عنها أحيانا أخرى.
ومع أن " البارحة" تبدأ من "الآن" أي من الزمن المنفلت، باستمرار، من بين أصابع الحاضر، فقد آثر الكاتب اقتناص رمادها، بشباك اللغة، انطلاقا من الومضات الأولى لتشكل الوعي الذاتي والتاريخي، دونما توريط إسقاطي للذات في التشويش على التاريخ، و لا تضخيم للتاريخ على حساب الذات. وتمثل فترة الاستقلال بما سبقها من مخاض وأحلام وما تلاها من آمال خائبة مفرقا أساسيا في تشييد رقعة الحكي الزمكانية، حيث تترسب الأحداث والوقائع طبقة فوق طبقة تماما كشأن "بدوزة أمي طامو" التي كانت، في البدء، "حفرة كبيرة، فلم تزل تمتلئ وتمتلئ إلى أن امتلأت عن آخرها" (ص 11)، ولكنه يحاول النفخ في الجمرات التي مايزال حريقها يحدث شيطوطة في الذاكرة والخيال. ف "ولد ميلود" –بطل الحكاية- حين يستعرض تاريخه الخاص، ويتأمل المسارات المتعرجة التي تحكمت في حياته سوف يقف على محطات كثيرة (التجنيد، النجاة من الموت في أكثر من مرة، الزواج بأمي طامو، العداوة مع الحاج مبارك الحربي إلخ) غير أنه سيقف طويلا أمام لحظة قصيرة جمعته، في فرنسا بالنصرانية "ورأى ما رأى من نعم الله ما شيء له أن يرى، رأى ساقا من عاج وأخرى من عاج أيضا، والصح أنهما معا من زبدة… بلدية" (ص 17). وهو حين يركبه الرعب كلما سمع حديثا أو إشارة عن "البدوزة" ويهدد زوجته، بمناسبة أو بدونها، بالزواج من أخرى إن هي باعت "البدوزة" وحين لا يتضامن –رغم شجاعته وطبعه المتهور- مع الجماعة ضد "كلب القايد" الذي ما انفك –يغير على الدوار ويفترس الأغنام والعجول، فلأنه (أي ولد ميلود) هو الوحيد الذي يتلظى بسعير سر خطير أودعه إياه والده "لحظات وجيزة قبل أن يلفظ النفس الأخير" (ص 18). ف "بدوزة أمي طامو" التي بدا يسيل لها لعاب الفلاحين والوسطاء طمعا في سمادها الوفير هي أيضا مخبأ سري من المخابئ التي احتفظ فيها أعضاء المقاومة بالأسلحة. فمع "أن المخزن غداة ا أعضاء المقاومة بالأسلحة. عودة السلطان من منفاه أرسل في الأسواق يبشر ويحث الناس على تسليم أسلحتهم بعد زوال أسباب المقاومة المسلحة" (ص 18)، إلا أن فريقا من المقاومين خشي من الوقوع في فخاخ المكيدة، وزيادة في الحرص شكك في مضمون الخطاب وعودة السلطان أصلا. أما وقد أصبح الاستقلال حقيقة من دون أن يتم تسليم الأسلحة في الآجال القانونية المحددة، فإنه ما عاد أحد بوسعه إقناع المخزن بأن لا ضرر فيما حصل "و لا ضلوع لولد ميلود في السياسة" (ص 19).
والملاحظ أن "ولد ميلود" الذي يصوره الكاتب كبطل أسطوري سواء من خلال هيئته التكوينية والجسدية "نافر الأنف عريض الجبين والمنكبين، عاقد الحاجبين غائر العينين مدبب الذقن قاسي الملامح" (ص 37) أو من خلال خوضه للقتال في الصفوف الفرنسية "ركض يتخطى الجثث، وانقض على العدو وراء متاريسه فكان الاشتباك بالسلاح الأبيض، حينها تعنتر ولد ميلود وتصعصع فقتل ذات اليمين وذات الشمال (…) ما أهول أن يشتبك ولد ميلود بالسلاح الأبيض !… (ص 34) فهو حين قتل أحد الجنود و "لمح جنديا آخر يهجم عليه ! … رماه بجثة سابقة وعالجه بمؤخرة "الكلاطة" على "جدارة" أذنه وانبرى يخطف ب "النص" و "يشتف"… نط على قدم واحدة ثم تدحرج ينجز "رطاوة" مكعبة…" (ص 34-35) هذا البطل، هو نفسه، الذي يشكو من جرح سري، وجرحه هو السلاح المطمور في البدوزة، وليس "ولد ميلود" وحده الشخصية القوية –لكن المغلولة- في
مايو 8th, 2008 كتبها الحبيب الدائم ربي نشر في , مشاكسة البحث,

عن « جماعة الكوليزيوم القصصي » صدر لأنيس الرافعي كتاب في 79 صفحة من القطع المتوسط بعنوان "أشياء تمر دون أن تحدث فعلا" أطلق على ميثاقه الأجناسي " تمارين قصصية" كمِؤشر قصدي لكتابة سردية ترتاد شطط التجريب. واللافت في هذا العمل الطريف ليس جنوح النصوص نحو سردية مغايرة وحسب وإنما أيضا تجاورها في الكتاب الواحد وتصاديها مع تعقيبات( رسائل) ميتاحكائية لثلاثة كتاب آخرين جمعوا بين كتابة القصة ونقدها عبر تجارب متفاوتة . ونفترض ، بداءة ، أن الاندماج شبه العضوي بين النصوص الواصفة والموصوفة ، في هذا الكتاب، بقدرما عمق البحث لدى الرافعي عن أفق للتمارين القصصية بقدرما جعله أسير تصورات برانية قد تعوق منجزه النصي وتحمله تبعات ما يصدر عن غيره من أحكام خلافية. ولعل التنازع بين "التمارين" وذيولها ـ بنظرنا ـ هو أكبر نقاط ضعف هذه المجموعة المائزة ، لا من حيث صوغها الجمالي بل من حيث التصورات العامة التي تصدر عنها في الكتابة .
مجاليا ينقسم متن "أشياء تمر.." إلى قسمين . ويضم القسم الأول ثلاث قصص هي "التراغم" و"التبرمل" و"التراتل" ، بينما يشمل القـسم الثاني ثلاثة "انشطارات". وكما تولى القاص أحمد بوزفور التعليق ، مرتين و بالتوالي ، على القصتين الأوليين ، نهض القاص محمد أمنصور بتحشية النص الثالث ، في الوقت الذي عقب محمد اشويكة على الانشطارات كلها.ولإخضاع النصوص ومناصاتها لعناصر الصنعة القصصية عمد الكاتب إلىعتبتين تأطيريتين في مستهل وخاتمة كل واحد من القسمين ، وسم الأولى بـ" نقطة الانطلاق" ووسم الثانية بـ"نقطة الوصول"سطرهما، بركاكة للأسف، قرين افتراضي يدعى بدوره أنيس الرافعي. فكانت البداية كالتالي:"لا أدري لما بغثة انتابتني…" بألف زائدة في أداة الاستفهام (لم) – بكسر اللام وفتح الميم- وإعجام ظالم للتاء في(بغتة) مما حولها من الدلالة على الفجاءة إلى الدلالة على البياض المائل إلى الخضرة. ومن خلال المعاينة البسيطة يتبدى لنا أن الكاتب آثر ، بوعي أو بدونه ، أن يشتغل ، في القسم الأول، على الأطاريح والثيمات والحالات ( الصراع التراغمي ـ إن جاز التعبير ـ بين الآنا ـ كوعي ـ والجسد ، كابوس الانحشار في برميل، المسخ إلى رتيلاء..) ، وراح في القسم الثاني يجرب الأشكال ضمن حالات توالدية ، مفتوحة ولانهائية ، تتقرى ، شذريا ، الوضعيات المختلفة للوقائع والشخوص، فيما يشبه "الورشة الصغيرة" لتحريض القراء على الكتابة بدل القراءة .ولئن كانت نصوص ا
مايو 8th, 2008 كتبها الحبيب الدائم ربي نشر في , مشاكسة البحث,

يحتل الأستاذ محمد برادة وضعا اعتباريا استثنائيا داخل المشهد الثقافي الوطني والعربي، نظرا لإسهاماته المتميزة –لأزيد من ثلاثة عقود- في مجالات الفكر والإبداع، ولسمعته الطيبة في الأوساط الجامعية والعلمية، إضافة إلى ما يمتلكه الرجل من دماثة خلق وخفة روح على صعيد العلاقات الإنسانية والشخصية، وهي ميزات قلما تجتمع لدى شخص واحد، كما أن اشتغال الأستاذ برادة بالممارسة الإبداعية إلى جانب التنظير، بذات العمق وذات الحرص يجعل من تنظيراته وترجماته ونقوده إضافات حقيقية ومن إبداعاته (خاصة في القصة والرواية) محطات حاسمة في سيرورة الإبداع
المغربي، والممتبع للرحلة التي قطعها سي محمد في سبيل إرساء تقاليد نقدية وإبداعية ببلادنا سيلاحظ على أي مدى نجح هذا الناقد المبدع في الانفتاح على التجارب الجديدة، وإلى أي مدى عمل على تطوير رؤيته إلى الأشياء دونما كلل أو فتور، فكما أقام جسورا لعبور النقد البنيوي والبنيوي التكويني وأطروحات أخرى (الباختينية مثلا) إلى ضفافنا، ومأسس قنوات للتواصل والحوار مع هذه الأطروحات، جرب أيضا كتابة القصة الواقعية والفانطاستيكية ، وكما كتب "لعبة النسيان" وفق تصور معين للكتابة،كتب "الضوء الهارب" بمنظور مغاير للكتابة وللواقع ، بمعنى أن "الضوء الهارب" –وهو مدار حديثنا- نص يتخطى –بالمعنى الابستمولوجي- عائق (عوائق) "لعبة النسيان". هذه الأخيرة التي شكلت المختبر الحقيقي لممارسة فعل "الخيمياء"الذي يتيح الفرصة للمعادن كي تتفاعل مع بعضها البعض، وتطاوع نوايا "الخيميائي" الباحث في الأخس عن الأثمن والأنفس.
وإذا كان النقاد قد أثنوا على "لعبة النسيان" نظرا لما شكلته ساعتها، من فتح على صعيد الكتابة الروائية الواعية بأدوات انكتابها، فإن صاحب "لعبة النسيان" لم يكن ليغتر –فيما يبدو- بهذا الإطراء، خاصة وأنه يدرك –أكثر من غيره- أن بين الطموح والواقع- كما يتحقق عبر الكتابة- مسافة لا تدع مجالا للطمأنينة . ثم إنه كان يصغي –وتلك ميزة أخرى- إلى تلك الملاحظات العابرة –والتي لم تكن( أحيانا) لا إيجابية ولا سلبية- التي وسمت "لعبة النسيان" بالذهنية وهيمنة النقدي وحضور المكونات السيرية، دون أن يكون في هذه الملاحظات الوصفعة ما ينقص أو يزيد من قيمة هذه الرواية، ومع ذلك فإنها (أي الملاحظات) شكلت مجالا للتأمل وتقليب النظر الخيمياء" عند الكاتب، وربما يمكن اعتبارها –على بساطتها- قد ولدت لديه مشروع أسئلة حول طبيعة التواصل الممكن بين النص ومتلقيه ، وحول مواصفات الخطاب الأدبي والنقدي –معا- هنا والآن. وفي هذا السياق، نذكر على سبيل المثال فقط، أن الأستاذ برادة قد شرع في إطلاق بالونات اختبار من شأنها مأزقة السائد وطرح الأسئلة المتشككة في البدهي أو ما بدأ يدخل في حكم العادة، وهكذا وجدناه يصرح في اللقاء الوطني الثاني للقصة القصيرة بالمغرب الذي نظمته جمعية الشعلة بتعاون مع اتحاد كتاب المغرب بمدينة مراكش سنة 1990، بأن التجريب في القصة القصيرة (وربما في الرواية أيضا) لا ينبغي أن يحول دون أن تكون القصة (الرواية) قصة (الرواية) فمهما "عبث" القصاص(الروائي) بالأشكال والوظائف وباقي المكونات البانية للنص القصصي فإنه لا يملك حرية العبث بالقصة (الرواية)في القصة (الرواية) لأنه إن فعل سيكون حينها قد أبدع ما لايجوز عده قصة (رواية) بأي حال من الأحوال (مع العلم أن أغلب قصص الملتقى كان قد طغى عليها ذاك التسيب الذي فرط في عنصر القص داخل القصة وانساق مع الاستبطانات اللغوية والتهويمات المغرقة في التجريب الشكلاني !) وبموازاة مع ذلك كان الأستاذ محمد برادة يسرب أفكارا –بدأت تشكل عنده قناعات- يبرز فيها الدور المركزي للملتقى داخل النصوص الإبداعية والنقدية، والنص الناجح –من هذا المنظور- هو الذي يحقق التواصل مع أكبر قدر ممكن من القراء دون أن يتنازل عن عمقه وشموخه، وكان طبيعيا أن تأتي "الضوء الهارب" رواية مترجمة، بحق، فلسفة الأستاذ محمد برادة –الجديدة- في النقد والإبداع، فتجمع بين "بهجة الحكاية" التي تتيح للقارئ إمكانية التمتع بما يقرأ ، وتسمح للناقد الدارس باستخلاص الدروس ومعايشة التقنيات الكتابية العالية المتخفية وراء الإيقاع الانسيابي للنص، وتلك لعمري جهود جبارة لا يمكن أن يقوم بها، في بلادنا اليوم، سوى كاتب محترف من وزن وحجم صاحب "سلخ الجلد" !
2- تجريب الممكنات المتأبية
يمتلك الأستاذ محمد برادة مهارة كبيرة في انتقاء عناوين نصوصه الإبداعية، فهو لا يختارها دالة ومركزة فحسب بل يختارها –أيضا- جذابة تضع أفق انتظار قارئها –مباشرة- أمام أسئلة متشابكة تهم الكتابة وتلقيها كما تهم الكتابة في علائقها بذاتها وفي علائقها بموضوعها. ومن هنا فإن شعرية العنوان في "الضوء الهارب" تستدعي أكثر من سؤال حول طبيعة الضوء الهارب في "الضوء الهارب" أو على الأصح خول المنفلت والهارب في الكتابة، وفي "الضوء الهارب" تخصيصا. أهو ضوء الشخوص الروائية الداخلة في العتمة بكل ما تحمله هذه الأخيرة من معان ودلالات ؟ أهو ضوء الفضاءات في تبدلاتها وفي تواري معالمها خلف ضباب الذاكرة ؟ أم هو الضوء الذي يتأبى عن الإمساك به من قبل الكتابة ؟ إلخ…
وحضور ملفوظ الضوء في ثنايا النص (هو) حضور سلبي، لأنه لا يحضر إلا مقرونا بالغياب أو على الأقل العتمة –الحاضر الحقيقي سواء في حياة العيشوني أو غيلانة أو فاطمة قريطس… أو في أرجاء فضاءات طنجة (باعتبارها الفضاء المركزي في الرواية) أو –كذلك- على صعيد فضاء النص حيث يطغى استعمال معجم ذي حقل دلالي مرتبط بالليل والعتمة وتداعياتهما السيكولوجية والاجتماعية والوجودية. وما دام من حقنا أن نفترض –طالما أن ثراء النص وعمقه يسمحان بذلك- فإننا سنزعم أن "الضوء الهارب" الذي تتحدث عنه الكتابة هو موضوعها وموضوع الفن عموما، وهو يشبه إلى حد بعيد تلك العلاقة القائمة بين المادة والحركة، فكيف تتحايل المادة –وهل بوسعها ذلك ؟!- على الحركة فتأسرها دون أن تضر أو تخون حركية هذه الحركة ؟ وهل بمقدور الفن تكريس طقس دونما إفراغه من ضوئه (زمنه الهارب) ؟.
لقد سبق للأستاذ محمد برادة أن وضع "للعبة النسيان" ثلاثة مداخل ممكنة لا لأنه كان مترددا في اختيار المدخل الأنسب (وهذا وارد أيضا) وإنما لأنه كان يرى فيها جميعا إمكانات ثلاثة ضمن إمكانات لا نهائية غير منجزة (إذا جاز لنا أن نستعيد تعبير ميلان كونديرا)، قد تصلح –بنفس الأهمية وجنبا إلى جنب-كمفتتح للمشهد الروائي، وهو في "الضوء الهارب" يسعى من جديد إلى إثارة الاهتمام –على لسان العيشوني- إلى أن "الضوء الهارب" في تحققها النصي غير نهائية، وقابلة للكتابة وفق احتمالات أخرى، خاصة وأن السارد يراهن –سيما من خلال ما سجله من شذرات في دفاتره- على قارئ يملأ فجوات النص ويؤثثه انطلاقا مما عاشه وقرأه وما يمكن أن يتخيله . يقول العيشوني "ما خططته في هذه الدفاتر غدا عزيزا لدي، جزءا من "آخر" كامن بأعماقي لذلك لا أريد أن أمزقه، فكرت أمس، أن أعطي نسخة منه لأحد أصدقائي الروائيين المحترفين ليتخذ منه نواة لرواية مثيرة يتولى هو صياغتها، أكثر من ذلك سأعرض عليه احتمالات تبدو ممكنة لصياغة قصتي مع غيلانة وفاطمة وما حصدته خلال ما يقرب من ستين سنة .أسجل الاحتمالات الثلاثة دون أن أقيده بها، فقد تنفتح مخيلته على احتمالات أخرى…" ص.ص 174-175 نستطيع أن نخرج من هذا المقطع الصغير بجملة من الاستنتاجات نذكر منها ما يلي :
- ما خططه العيشوني غدا جزءا من ذاته وامتدادا لها رغم انفصاله عنها (عن هذه الذات).
- ما خططه العيشوني أصبح جزءا من "آخر" كانَه العيشوني، جزءا من ضوء هارب يثوي في الأعماق.
- ما خططه العيشوني لا يجوز تمزيقه لا لقيمته الأدبية فقط، ولكن لكونه سيرة من حياة، ضوءا ضمن أضواء هاربة باستمرار.
- وأخيرا وليس آخرا فما خططه العيشوني مجرد احتمال ضمن احتمالات قابلة للتحقيق أو للبرهنة على تحققها. كذلك فإن هذا المقطع يكشف تقنية الكتابة –وسؤالها- كما يمارسها –ويفهمها- الأستاذ برادة، وإن جاءت هنا عبر "قناع" شخصية العيشوني (لا نفكر هنا مطلقا في أي تشابه أو صلة يجمعان بين الكاتب محمد برادة والعيشوني على الصعيد السيرذاتي، وإن كنا نربط –دون أن يكون في هذا الربط أي تناقض- بين منظور برادة للكتابة ومنظور العيشوني –أو أي رسام-لها !).
- فالعيشوني (أو برادة هنا لا فرق) ينظر إلى الكتابة لا في اكتمال صيغتها كـ"فينوتيكست(نص ظاهر)، وإنما كذلك في توهجاتها الضوئية (والضوء في تنزيهه عند علماء الجمال رمز للجوهر، للحقيقة الهاربة) والمتتالية طيلة فترة الخلق. فوراء كل تحقق نصي أضواء ولحظات منفلتة (سيرة فعل الكتابة) قلما يحظى القارئ (المتلقي) بشرف معايشتها، وهذه اللحظات إن كانت تخضع لبعض التوثيق من قبل الرسامين (من خلال "الكروكيات") فإنها في الكتابة الإبداعية تبقى –وخاصة في بلادنا- أسرار مطبخ الكاتب لا يطلع عليها إلا الأصفياء !.
3-الكتابة والرسم
يحاول محمد برادة في "الضوء الهارب" أن يبلور تصورا جديدا لمفهوم الكتابة الروائية يقوم، لا على توظيف الرواية داخل الرواية، ولا على استحضار لغات وأصوات وتضمين أقوال وخطابات تحيل على مرجعيات متباينة، ولا على تصدير بعض الفصول بأقوال فلسفية أو شعرية أو حكمية، وإنما يقوم أيضا (أي التصور) على ترجمة معرفة غير روائية في لغة روائية (ميلان كونديرا). وعليه فكما خلق الكاتب حوارية جميلة وذكية بين حياة بطلة روايته فاطمة قريطس وحياة الآنسة بونون بطلة رواية "آحاد الآنسة بونون" لجاك لورانت، وشخص لغة الخطابات الرسمية كما يقدمها التلفزيون، واستوحى اللهجات المحلية المغربية بتلويناتها المختلفة واعتمد أسلوب التراسل إلخ ، وهذه كلها تقنيات لغوية من شأنها إثراء الكتابة الروائية وإخصابها، قام ( الكاتب) كذلك بتجسير الصلات التي كانت هشة، في الغالب، بين الكتابة الأدبية باعتبارها نشاطا يتأسس بالدرجة الأولى على اللغة، وبين الرسم باعتباره ممارسة إبداعية "غير لغوية" مدفوعا بهاجس إبداعي تسنده ثقافة بصرية وتشكيلية ساهمت في تكوينها اهتمامات وصداقات ومتابعات وزيارات للمعارض (من تصريح لمحمد برادة في البرنامج الإذاعي "الريشة والقناع" ليلة 20-05-94) ومعلوم أن الحوار بين الكتابة والرسم لم يكن، في يوم من الأيام، مقطوعا تماما، وإن كان، في الأعم، حوارا سطحيا بحيث تظل –معه- الكتابة كتابة ضمن الرسم ويظل الرسم رسما ضمن الكتابة دون أن يخضع أحدهما الآخر –إلا في ماندر- إلى عملية تحويل (نذكر هنا تجربة الخط العربي عند رسامي المسلمين، وتجربة الشعراء البرناسيين)، وحسب علمنا فإن التجربة المتميزة التي سلكها صنع الله ابراهيم في "نجمة أغسطس" بتحويله معطيات هندسية ومعمارية ونحتية إلى "بلوكات" لغوية تمتاز بشاعرية اللغة وكثافة الإسمنت المسلح وحجر الصوان، تبقى رائدة في هذا المجال، وهي تجربة قام بما يشبهها جمال الغيطاني في "خططه " "ومتون الأهرام" ، مستلهما فن العمارة الإسلامية في بناء النص على جانب استفادته من عناصر لغوية تراثية . أما تجربة برادة، وإن كانت (قد) تدخل في هذا السياق، فهي تجربة مغايرة لا من حيث منطلقاتها النظرية، ولا من حيث توجهاتها الإبداعية، فصنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني عملا في تحويل فنون غير لغوية إلى لغة بمنظور ثابت ووثوقي كأن تلك الفنون حققت كمالا في امتلاك موضوعها، في حين لجأ برادة على التحايل على الحقيقة، المنفلتة من الرسم، عبر الكتابة وهو انفلات مقدر على الرسم كما هو مقدر على الكتابة محاولا أن يجيب عن أسئلة (أو يطرحها من جديد) لها صلة بممكنات الفن إزاء الحقيقة، إذ كيف يتسنى للفنان –رساما أو كاتبا- أن يأسر لحظات الانخطاف اليومية دون أن يقتلها ؟ وكيف له القبض على هذه اللحظات طازجة ، كما يعتق الأريج في قوارير العطر، دون أن تخوله فروج الأصابع على حد تعبير الشاعر القديم ؟ وهل المنجز الإبداعي (وهنا الرواية) كلي أم هو توهجات متجاورة ؟ وما السبيل إلى أسر هذه التوهجات دون إخماد نارها الموقدة ؟
وأسئلة أخرى عديدة تفصح عن نفسها صراحة في الرواية . يقول العيشوني في دفاتره "هكذا تبدو لي حقيقة الرسم الممتزجة بحقيقتي. دائما أؤجل الإمساك بها لأنها زئبقية، متعددة، كلما اقتربت منها انفلتت" ص 170، وكما وجدنا في "الضوء الهارب" العيشوني الرسام يجرب فعل الكتابة بغية "التحايل على سطوة الزمن" 168 واستعادة الذكريات بطراوة إحساسها ونداوة تعبيرها ص 174، فإننا –أيضا- نجد محمد برادة كاتبا يمارس فعل الرسم (لا نقصد هنا الوقوف على التفاصيل الصغرى، بل نقصد هندسة اللوحة ككل بدءا باختيار الخلفية دونما انتهاء باللمسات الأخيرة التي تعطي انطباعا بالعفوية والإنسانية) ومرسم محمد برادة مفتوح وبلا أسرار، فهو يهمه إطلاع الآخرين على كل الأهلة والبدور التي يخفيها القمر ليلة اكتماله، وقمر برادة قمر لا يكتمل إلا ليبدأ في النقصان، واكتماله سرابي، وافتراض يتعالى على التحقق الملموس ورغم أن
مايو 8th, 2008 كتبها الحبيب الدائم ربي نشر في , مشاكسة البحث,
"يوميات معلم في الجبل "لعز الدين الماعزي
-الحبيب الدائم ربي
لا أجد تفسيرا مقنعا، حتى الآن ، لكوني أميل ، لاشعوريا، إلى إقحام تجربة الزميل المبدع عز الدين الماعزي السردية ، عنوة ، ضمن أدب السجون. وهو ،فيما أعلم ، شخص نقي الصحيفة حتى أنه من فرط وداعته، قد لا يجرؤ على إذاية فراشة. وهو ، طبعا ، قد يكون مثلي ،بلا أمجاد سياسية تذكر. بيد أنني سأحاول ، هنا، المجازفة، بتقديم بعض المبررات التي من شأنها أن تجعل المقارنة بين يومياته" وأدب السجون واردة وممكنة . ولعل من أهمها خصوصية الكتابة وخصوصية التجربة في آن . وهما خصوصيتان نادرا ما تلتقيان إلا في حالات قصوى ونموذجية . والواقع أن في ما ينشره الماعزي من نصوص انزياحا ، غير مألوف، عن / في كتابة اليوميات، كما تعورف عليها عند أندريه جيد أو توفيق الحكيم أو عبد الله العروي مثلا، ناهيك عما راج، في بعض إركاماتها النصية، مؤخرا، من تقارير تسجيلية،عن محنة الحبس والاعتقال،في شرق المتوسط وجنوبه وغربه ، تتخذ شكل محكيات يتداخل فيها الواقع بالخيال، هذا من جهة، ومن جهة أخرى،فإن الإحساس بالنفي لايقل مرارة عن الشعور بالحصار، طالما أن الحالتين معا(أي المنفى والسجن) تمثلان هشاشة الكائن في عزلته القصوى. ولعل هذا بالضبط ما جعل وشم التجربة ، لدى الماعزي،غائرا ، إلى الحد الذي لم يكفه معها كتاب واحد فقفى عليه بكتاب ثان، من دون أن يلوح في الأفق ما من شأنه استنفاد رصيد التجربة القاسية والطريفة معا. والقسوة هنا تتخذ معناها من كونها نتاج تضاد قسري بين طرفين ينبذان مبدأ الثالث المرفوع .. بمعنى أنه لا خيار من دونهما. فإذا كان الحصول على وظيفة( معلم)، بعد دراسة وكد، واحدا من أبسط حقوق المواطنة. فإن التعيين الدراماتيكي، الذي طوح بالسارد من الدار البيضاء إلى نواحي تافراوت الجبلية ، أي من قلب "المغرب النافع" إلى تخوم " المغرب غير النافع" – وفقا للتقسيم الاستعماري- أتى كما ليتطاول على ذلك الحق المتواضع فيما يشبه العقاب المضاعف.. والبقية كما لا يخفى معروفة. فكم من الحالمين بحياة مستقرة ذلول، استفاقوا على الكابوس." جيتي .. وجد معاك العكاد(عصا غليظة) ووكض راسك راك غ تكون ذيب بين الذياب .." (ص.14). فمنهم من تخلى عن جحيم العمل في الجبل ، ومنهم من قاوم ، حيث لا منفذ، بالمخدرات والحشيش ، ومنهم من استمسك، تماما كالسجناء بعروة الجنون و..الشعر والكتابة: "كم شبهت نفسي بعربة تتمسك بعربة، والعربات الأخرى هم هؤلاء المعلمون المساكين الذين أتوا من كل بقاع المغرب من مستنقعات المراكز(التربوية)، أحدهم كان ينتحب بمرارة وآخر يخفف عنه.. لن تصاب بالجنون فمعك الرجال وأنت رجل.. كنت صغير السن بينهم ومن يرمقني يشك أني معلم.. سأبدد ليلتي بينهم بعيدا قريبا من متاريس اللغة وحقول البنفسج.. سأصرخ فيهم أني شاعر أبيع الكلمات والجمل.. يجب أن أحكي وأتجنب ما ينغص حياتي.
مايو 8th, 2008 كتبها الحبيب الدائم ربي نشر في , مشاكسة البحث,
"امرأة…وبقايا رجل" لحفيـظة الحـر
* الحبيب الدائم ربي
من خلال روايتها الأخيرة "امرأة … وبقايا رجل "* تسعى حفيظة الحر إلى ترسيخ ذاتها كواحدة من حائكات السرد المغربي الحديث، فيما يمكن أن نطلق عليه ، تجاوزا، جيل ما بين القرنين حتى لا نقول جيل الشباب. ولئن كان مفهوم الجيل، بما يكتنفه من غموض والتباس، يظل مفتقرا، ما خلا بعض التقاطعات والوشائج العامة التي تطبع المرجعية الزمنية والسياقية ،إلى دعامات مائزة تحدد ملامحه على المستوى النظري والإجرائي ، فإنه يبقى مع ذلك، حيث لامناص، مؤشرا يتم عبره رصد بعض تجليات السيرورة الإبداعية من أجل توصيفها والتحقيب لها. من ثمة ساد في المغرب ، مثلا، مصطلح "المرحلة الزرقاء" الذي أطلقه القاص أحمد بوزفور على كوكبة من كتاب القصة القصيرة الواعدين، وهو مصطلح يكاد يشبه في بعض قسماته ما سماه إدوار الخراط ، في مصر، ب"الحساسية الجديدة ". والمصطلحان معا ، كما نلاحظ في أحاديث بوزفور، من جهة، وأحاديث الخراط، من جهة ثانية: المستقلة في درا سات مخصوصة أو في تقديما ت لبعض الإصدارات الأدبـية ، قد لا يقفان عند حدود الجنس القصصي وإنما يتعديانه إلى أجناس وفنون أخرى كالرواية والقصيدة واللوحة وسواها..شريطة التزام المتون المنضوية تحتهما، جزئيا أوكليا، بقواعد اللعبة(أو اللاقواعد) التى يجملها بوزفور في التالي: "خفوت الإيديولوجيا، الاحتفاء بالجسد، الاحتفاء بالنص، شعرية اليومي والمهمش والبذيء، إعادة قراءة التراث(الشعبي خاصة )، تحطيم الجدار الكلاسيكي بين الكاتب والقارئ…" **. بيد أن حفيظة الحر، في روايتها الثانية كما هو الشأن في الأولى، لا تتحمس كثيرا إلى ركوب موجة هذه "المرحلة" حيث الاحتفاء بالعبث واللاشيء،أي بتجريد القصة والرواية من حكائيتهما، والاحتكام إلى معايير جديدة ما تزال غير ملموسة ولا واضحة. فما يهم الكاتبة ، بالأساس ، هو إعادة ترسيخ قيم الكتابة السردية في نشأتها الأولى، وكأنها بذلك تبغي تسطير حلقة شبه غائبة في التاريخ القصير للرواية المغربية، قوامها التجديد الكلاسيكي ، إن صح هذا التعبير. طالما أن الكلاسيكية ، كما عبر عن ذلك ت . س . إليوت ، هي الأفق الذي يطمح إليه أي أدب جيد. ويمكن تعيين الموقع الأدبي الذي تنطلق منه حفيظة الحر في ما تعورف عليه برواية الأسرة أو الرواية العائلية . وهذا ما يمنح الوقائع والأحداث، في روايتيها، زخما من الأحاسيس الرومانسية والانفعالات العاطفية التي يحركها فاعلون وأبطال وشخوص يرتبطون فيما بينهم بحبل سري قوامه الدم والمصاهرة والجوار. مع ما قد يترتب عن هذه "الوشائج الخطرة" من جروح و أحقاد وحزازات ، رغم صغرها، تظل غائرة كشأن مضاضات "ذوي القربى" عموما. وكما في رواية " فاتحة الجرح"، حيث يتغرب البطل ويعاني من التشرد قبل أن يعود إلى مراتع الطفولة، نابشا في أرمدة النيران والجروح القديمة، تنهض رواية" امرأة وبقايا رجل"، أيضا ، على أنقاض حبكة تراجيدية- ناعمة- من أبرز ضحاياها الأم زهرة وابنها قاسم . فزهرة الملالية( أي من مدينة بني ملال)الجميلة، تتزوج، وهي بعد صغيرة، برجل قاسمي كان يعمل جنديا بالصحراء المغربية . وبحكم التزامه المهني فقد كان يودع زوجته، التي لايزورها إلا لماما، لدى أهله بمدينة سيدي قاسم. وبين ثالوث سهل سايس غربا، وجبال الأطلسين (المتوسط والكبير)في الوسط ، والصحراء في أقصى الجنوب، تتشابك خيوط المأساة. تحركها نوازع الحب والمال وطبائع الشرور المغروزة في الأنفس. وهكذا تجد زهرة نفسها ، نتيجة تآمر أخ زوجها، منقطعة عن الزوج والأهل معا ؛ معتقدة أن الأول مات في الجبهة دفاعا عن الوطن وأن الأهل " تبخروا" دون أن يعلم وجهتهم أحد. فلايكون أمامها، بعدما ضيق عليها أخ الزوج ، إلا الضرب في الأرض بحثا عن لقمة نظيفة، حاملة رضيعها الذي رأى النور في غيبة الأب، تطاردها إشاعات مغرضة هي أطهر منها وأشرف . وفي مدينة القنيطرة سوف تقاوم الإغراءات والضغوط وتشمر على ساعديها للقيام بأشغال شاقة وغير ذات عائد كبير( عاملة ف
مايو 8th, 2008 كتبها الحبيب الدائم ربي نشر في , مشاكسة البحث,
"فاتحة الجرح" لحفيظة الحر
* الحبيب الدائم ربي
في أجواء أقرب إلى السوريالية، وكما تلتقي بوحي المصادفة الفنية المدروسة تحت شجرة غامضة، شخوص غوته "بانتظار غودو" تجتمع كائنات "فاتحة الجرح" لحفيظة الحر، في فضاءات بلا معالم تقريبا ، لتتحدث عن لوعة الغربة والحنين إلى مهوى القلب والرأس : "لاحونا" . حديثا محترسا وكأن حواليها، هناك في البعيد، أعينا تتفرس نأمة الشفاه وآذانا تترصد الهمس وأخفى. لذا يبدو الحوار بين مصطفى وملازمه مبهما، مواربا، ومبتورا في المفاصل الحاسمة. وفي خضم السجال الحاد بين القرينين، وبين التصريح والتليمح، تتضح بالتدريج نتوءات وتضاريس "لاحونا" وتتبدى طبائع "الملاحنة".
فـ"لاحونا" حي صفيحي تنعدم فيه شروط العيش الإنساني الكريم والحياة الآمنة، وتتحكم في رقاب أهله زبانية "أصحاب الحال" من الخونة والمرتشين والظلمة وفي مقدمتهم المقدم والفقيه، بما يرمزان إليه من إيحاءات سياسية ودينية… و "لاحونا" فوق هذا كناية مغربية على كل التجمعات السكنية الهامشية التي يتم التطويح بها، نتيجة الإهمال خارج دائرة العصر نحو بؤرة النسيان، ونجدها تقريبا في ضواحي كل مدننا ذات الواجهات الخادعة. ولا غرو أن تنشأ داخل هذا الحي البئيس مصالح متعارضة وطبقات (أربع). وإذا علمنا أن الطبقة الأولى (المحظوظة)، أو ما يطلق عليها تجاوزا، الطبقة البورجوازية "اللاحونية " لا تملك إلا "براكة محفظة تحتوي على غرفتين.. وفناء واسعا إلى حد ما … سطوحها مليئة بعجلات مختلفة الأشكال والأحجام.. بابها مرقع بقطع غيار .. حفرة مجاري مياهها المستعملة توجد أمام البراكة" (ص 27)، إذا علمنا هذا، وسواه أدهى، علينا أن نتخيل، ولو مجرد تخيل ، إلى أي منحدر تهوي باقي الطبقات الثلاث" الدنيا الأخرى.
أما إذا أخذنا في الاعتبار الخسف الذي يسامه ضعفاء "لاحونا" من قبل أقويائهم، فسندرك سر خواء هذا الحي على عروشه إلا من العجزة والمرضى والمغلوب على أمرهم، وسر هجرة شبابه إلى المنافي بحثا عن ملاذ ارحم ولو إلى حين.
ولأن "الملاحنة" ميالون، رغم العداوات إلى بعضهم، فإنهم وكما كانوا يلتقون في ديارهم، ليتعاركوا وسط الأوحال وأسراب الذباب، يلتقون مرة أخرى في الغربة تحت يافطة "الإخوة العرب" ، حول كؤوس الخمر نشدانا للتذكر والنسيان في آن "تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى" (الآية)، حيث يجالس ابن القتيل ابن قاتل أبيه، وينادم الثائر الخنوع، والذي أتى للدراسة ذاك الذي جاء ضاربا في الأرض على غير هدى.
وفي أسيقة مبهمة ولا معقولة ترْشَح الألسنة بالمواجع والجروح المنكوءة، وتعود الذاكرة إلى الاشتغال الحرج والمؤلم. ومن ثمة كان لابد أن يجد الندماء أنفسهم أمام حقائقهم العارية : أبناء الشرفاء والأحرار أمام أبناء الخونة.
والغريب أنهم لا يعمدون، في ظل هذه الحالة، إلى حل التناقض على "الطريقة اللاحونية" القائمة على التصفيات الجسدية والدسائس المؤدية إلى المهالك، بل إنهم يتواطأون، ظاهريا على الأقل، على جلد الذات ومحاكمة الآباء ومساقط السلالة بغير قليل من القسوة .والأغرب من ذلك أن المنحدرين من "لاحونا" يعون جيدا، وعن طريق المخالطة والمجاورة، أن من طبع إخوانهم الخيانة والغدر ونقض العهود مما يجعلهم يؤالون على أنفسهم ألا يأنسوا إلى أي "لاحوني" في الشتات. بيد أنهم سرعان ما ينسون وينجذبون إلى بعضهم البعض. رغم ما في ذلك من مجازفة بسلامتهم الشخصية. كأنهم بذلك يتحايلون على النأي بالوصال المزعوم الذي أخمد الأشواق في نفوس "الإخوة العرب" إلا في نفس مصطفى الذي ظل وفيا لمبدأ العودة، وبقي ثأر والده يدعوه إلى القصاص. فبعد عشرين سنة من الترحال والنشيد، وعلى غرار شعراء الربابة الذين يجوبون الأمكنة باكين أحوالهم وأحوال ذويهم، قرر مصطفى أن يكشف قناعه لـ "أصحاب الحال" الذين ماكلوا من تسقُط أخباره وحوك الأناشيط في طريقه. واجه قدره وعاد حيث الأهل والخصوم معا في محفل أوليسي (نسبة على أوليس ملك "إيتاكه" الذي وردت أخباره في الأوديسة)، فكانت أوبته نهاية الطريق وبداية الرحلة، نهاية القصيدة وبداية الحياة –الجرح.
إن ما عرضناه هنا ليس سوى حكاية إطار تنفتح ضمنها حكايات فرعية وتنغلق. حكايات تنضح بالجروح العميقة : كحكاية فاطمة (أم سعيد) التي انطفأت حياتها في قاع بئر، وحكاية سعيد الذي استحوذ عمه بناصر على نصيبه من الإرث، وحكاية المقدم والفقيه اللذين ما كانا يتورعان عن معاقرة الخمرة في باحة المسجد، وقتلهما لقاسم (والد مصطفى) الذي كان لا يني استنكار أفعالهما، وحكاية تخفّي مصطفى عند امرأة عجوز تصوغ الحكمة في المرويات والسرود الشفوية …إلخ… وهي كلها حكايات تسعى إلى إبراز الخلل في العلاقات بين الشخوص والفضاءات والمنظورات، مما يجعل الكتابة في "فاتحة الجرح"، بانحيازها للقيم الأصيلة، أشبه ما تكون بمرافعة ضد الخوف "لعنة الخوف بداية الظفر" (ص 174) والسذاجة "أقبح شيء في خذا الوجود أن تكون ساذجا" (ص 182) وتحريضا على امتطاء مغامرة الحياة إلى حدودها القصوى، "الحياة دون مفاجآت لا تساوي شيئا على الإطلاق" (ص 187)، في أفق المطابقة بين الوعي والواقع، بين الكتابة والتجربة، أي في أفق اقتحام المصائر بدل الهروب منها، وما عودة مصطفى إلى "لاحونا" إلا عودة الوعي والروح إلى تصالحهما مع شرطهما الإنساني. وقبل ذلك كان لا مناص من المرور بانكسارات قد توقظ الحواس المتبلدة وتفتحها على حقائق صادمة "غبيا كنت والآن ذكيا في الغباء صرت" (ص 192) من شأنها أن تمأزق أسئلة الواقع والكينونة، كأن يفكر "الرويجل" حين يشقيه الركض "وراء لقمة متسخة" "ماذا لو كنت امرأة ؟!" (ص 130)، أو يحار "الذكي الغبي" في كيفية أن يفسر لأغبياء أنه غبي مثلهم . طالما أنهم يظنون أنهم هم الأذكياء وهو بينهم الغبي. (ص 131).
وبغض النظر عن كون سؤال المعني في الكتابة الأدبية قد يكون أحيانا، وكما يرى تودوروف، خاليا بدوره من المعنى، فمما لا شك فيه أن حفيظة الحر، وهي تخوض رحلتها الأولى في عالم الرواية كانت تتقصد، بصيغة أو بأخرى، إبلاغ صوتها إلى الآخرين، بما هي، أولا، أنثى تمتلك وعيا شقيا إزاء الكائن والممكن، و بما هي ، ثانيا ، كاتبة لها إحساس مرهف بما يربط الكلمات بالمعاني، والأشكال بالمضامين. صحيح أن الكاتبة لم تمنح النساء في روايتها غير أنصاف بطولات، ما دام الواقع أيضا لا يتكرم عليهن ببطولات. وتنتصر للرجال، أحيانا، في حروبهم الخاسرة، وهم شقائق النسوة في الهزائم، بيد أنها (أي الكاتبة) ومثلما تماهي غوستاف فلوبير مع مدام بوفاري في قولته الخالدة "السيدة بوفاري هي أنا"، تمنح "أناها" للرجل، تستبطن دواخله، تحاكمه ، تناجيه، تسخر منه ، تثور عليه، تحضنه …في تناقض ينسجم وفطرة الأنثى، والأنثى المبدعة تخصيصا.
والكاتبة حين تذهب إلى التخوم لا تبغي، فيما نظن، القطع مع العالم بكائناته وكلماته ومعانيه، وإنما غايتها تجسير الضفاف المتباعدة وإحداث توازن ممكن بين الإبداع في مطلقيته والحياة في محدوديتها. والرواية بخوضها رهان الحدود تتوق إلى "خيار ثالث" بين "لا" و "نعم" فبين الأطلس والأطلس (توقع الكاتبة نصوصها بـ "بنت الأطلسين"، ويدلل أبطال روايتها بعضهم البعض بأبناء الأطلسين) وبين اللسان واللسان (تتخلل الرواية مقاطع أمازيغية تستعرض بطولات وحكما وأمثالا) وبين النثر والشعر (علاوة على القصائد والمقطوعات الشعرية المندمجة بالنص الروائي، فإن هذا الأخير غني بالمحكيات الشعرية) وبين السرد والحوار (يلعب الحوار في الرواية دورا أساسيا، وهو حوار مشدود قد يسرع المحكي أو مترهل يحد من تدفقه) وبين الفصحى والعامية (هناك توظيف لافت في الرواية للأسلوب الدارج). بين هذا وذاك تنحل الثنائيات الشارطة للذات الكاتبة في توحد يؤاخي بين ما انشعت من عناصر في "حاء الحياة" أو في "حفيظة الحر" لا فرق وحفيظة وهي تخطو الخطوة الأولى في رحلة الكتابة والجرح كانت كمن يركب الموت والشهادة نحو الحياة الحقيقية، بعدما يتراءى له كل شيء حوله مجرد زيف. فعلى امتداد (290 ) صفحة من القطع الكبير وعبر المحطات والمراقي التالية : تداعيات، شظايا أحلام، لحظات البوح، عودة غير مرتقبة، بين "لاحونا" والقرية الصغيرة، إشراقات، العودة إلى الأصل، في قلب "لاحونا" نداء أخير، لقاء مرتقب… وهي مدارج صوفية في أغلبها كانت الكاتبة تترجل بألم، على مدار السنتين، حتى انكشف لها السر : "الكتابة حياة". تقول في "بوح" صدّرت به عملها : "إنني وأنا أخطط هذه السطور سنتي (86 و 87) أدركتُ أن الحرف قديس منسي" وتضيف : "لقد قضيت حولين كاملين أو يزيد، أجمع شتات الحروف، أوافق بين ما نفر وأكنش كل حرف في ذهني حضر… إلى أن رأت روايتي هذه النور، ورأيت معها الحياة، لقد أحيتني هذه الرواية من حيث لا تدري". (ص 6). السطور سنتي (86 و 87) أدركتُ أن الحرف قديس منسي" وتضيف : "لقد قضيت حولين كاملين أو يزيد، أجمع شتات الحروف، أوافق بين ما نفر وأكنش كل حرف في ذهني حضر… إلى أن رأت روايتي هذه النور، ورأيت معها الحياة، لقد أحيتني هذه الرواية من حيث لا تدري". (ص 6). لذلك كان من الطبيعي أن تهدي حفيظة الحر "رواية الجرح والحياة" إلى الآخرين وإلى ذاتها كذلك في الصيغة التالية : "إليَ …" بكل ما يزخر به هذا التعبير من جمال وأناقة وبلاغة إيجازية حد التقتير.
* "الاتحاد الاسبوعي" المغربية،21-27 يوليوز2002.
"شارع الرباط" لنور الدين وحيد
-المغرب-
رمزية الكلب
سبب للنزول :
عادة ما يتم تجاهل الحديث عن سيرة النصوص الأدبية خلال تخلق أجنتها، أمام إغراء توصيفها ومساءلتها وتأويل مراميها وهي في طور الاستواء، والواقع أن بين التماع الفكرة وبين تجسيدها نصيا، مخاضا طويلا وشاقا تتخلله سيرورة معقدة من الترسيب والاختمار، من الانتقاء والإقصاء، من النشوء والارتقاء، بيد أنه ليس من المتيسر، على الدوام، الوصول إلى الينابيع الأولى للنصوص في تكونها البدئي Géno-textes ما لم تتوفر أدلة كافية تكشف الأسيقة وأسباب النزول في تفاعلها وتبحث في تشابك الحبال السرية وكيمياء النسوغ، لذلك قد تكتسي يوميات المبدعين ومسوداتهم (بتشطيباتها وإضافاتها) وشهادات ذويهم ومرافقيهم أهمية بالغة في إضاءة عثمات آثارهم وفك بعض مستغلقاتها.
نقول هذا ونحن نستحضر لحظة قصيرة، ولكنها دالة، لها الآن ما يناهز عشر سنوات، ففي غروب صيفي وعلى نشيش أمواج المحيط، في مواجهة الميناء، خلف "المسرح البلدي" بمدينة الجديدة كان الأستاذ نور الدين وحيد يحدثني، ضمن أحلام أخرى منذورة للخسارات، عن مشروع قصة قصيرة حول "كلب القايد" بات موضوعها ينهش مخيلته (البدوية)، ولأن نور الدين لم يكن مجرد صديق، ورصيده ما كان ليزيد عن مسودة لرواية، والأوضاع السياسية في البلاد لم تكن تحتمل المس بأمن ، كلب "المقدم فبالأحرى "كلب القايد" فقد رجوته بإلحاح أن يغض الطرف، مرحليا على الأقل، عن التفكير في الكتابة عن كلب (قد) يستمد سطوته من كلب (قانع!) آخر أعثى منه، ثم من يضمن لنا أن الكلاب بحاستها القوية قد لا تشم في ذلك تلميحا الكب إلى التطاول على صاحبه (القايد)، فتتضامن و (تتكالب) ضد القصة و كاتبها الذي لا يؤهله اسمه للدفاع عن نفسه، ولا أنياب له في العاصمة ولا أضراس تحميه !
كلب القايد في "شارع الرباط" :
وها هو نور الدين وحيد يصدر عن دار القرويين –بالدار البيضاء، الجزء الثاني من ملحمته الروائية "رماد البارحة" تحت عنوان "شارع الرباط" في 226 صفحة من القطع المتوسط، وبغلاف مميز للفنان الطيبي البوعناني، ليرفع حصيلته السردية إلى ثلاث روايات.
ولئن كان الكاتب قد صدر الجزء الأول بعتبة تقول بلسان الحكمة، البسيط والعميق في آن "عزيزي القارئ : إذا اجتمعت عليك الكلاب فبادر" فإنه ارتفع، في تصديره للجزء الثاني، بالحكمة إلى سدرة الرمز قائلا : "عزيزي القارئ : الكلب أمام المرآة ينبح في وجه كلب لا يعرفه" (ص.3)، مما يعني أنه، وبعد أن شحذ سلاحه جيدا، عاد من جديد إلى مواجهة الكلب وصاحب الكلب في واقعية جارحة دونها بلاغة المجاز.
فبعدما تابعنا في (الجزء الأول) كيف كان "كلب القايد" يروع البلدة ويعبث فيها بطشا وتنكيلا، ها نحن نشهد في (الجزء الثاني) ضعفه الحيواني ونهايته الفاجعة ككل جبار عنيد. ف "ماكس" – وهذا اسمه- الذي كان "من أشرس ما خلق ولا حدود لبطشه ولا جناح عليه" وبعدما أوقعه "العطار" في شباكه، وأولج في مؤخرته قضيبا مشذبا بعناية، ونثر فوق خطمه "مسحوقا لونه أصفر خامرته خضرة" (ص.7) ينفذ إلى المسام عبر الخياشيم فيعطس، وكلما عطس توعك أكثر بسبب القضيب" صار (أي ماكس) أقرب إلى فزاعة، تتحداه الكلاب الضامرة وينهشه الذباب فلا يملك إلا أن "يستكين في خنوع" لائذا بدار القايد "حصنه الذي ما عاد حصينا" (ص.9) "يريد أن يخلو لنفسه كي يتأمل ! " إلى أن أودى به ثور هائج في ميتة لا تخطر على بال ولا يتمناها أحد لعدو.
لكي، ما معنى أن يحظى كلب بهذا القدر من الاهتمام ضمن برنامج تخييلي ضخم ومتكامل ؟ وما الدلالات الممكنة الثاوية خلف ذلك ؟ تقتضي الأمانة، والحال هذه، التنويه بشيئين : الأول، أن رواية "شارع الرباط
أبريل 10th, 2008 كتبها الحبيب الدائم ربي نشر في , مشاكسة البحث,
وجهة نظر حول النشأة والامتداد

.gif)
كرد فعل شبه غريزي إزاء ملابسات التاريخ التي همشت إضافاتنا الإبداعية المغربية وأصدرت في شأنها أحكاما قبلية ما تزال سارية، في بعض منها، إلى الآن. صرنا لا نملك بدا، حين التحدث عن أدبنا لإخواننا بالمشرق العربي، من الانتصار إلى "النبوغ المغربي"، وهو انتصار ينبغي تفهمه، على أية حال، شريطة ألا يتحول "نبوغنا" إلى وثن يحظَر علينا مساءلته، تحت طائلة خدش نقائنا الوطني ! لما في "الحب القاسي" أو الحب الوثني من تجن على الذات وعلى الحقيقة معا. فأدبنا قد لا يحتاج إلى حيازة ما له وما ليس له عبر النفخ في الأبواق والقرع على الطبول، وإنما هو في حاجة إلى شيء من الإنصاف يوطنه ضمن الخارطة الإبداعية العربية في المكانة التي يستحقها لا أقل ولا أكثر.
سنحاول هنا تقديم وجهة نظر شخصية –قابلة للنقض- تهم الرواية المغربية بين النشوء والارتقاء، بعيدا عن صرامة الطروح النقدية المتمركزة حول مصطلحاتها والمنشغلة عن مواضيعها بذواتها، معتمدين هذه المرة بلاغة المناوشة، عسى أن نحرك سكون واقع أو نخلخل اطمئنانا زائفا !
يقول الأستاذ أحمد اليبوري بصدد نشأة الفن الروائي بالمغرب : "تمثل "الزاوية" للتهامي الوزاني أول إنتاج شبه روائي بالمغرب، وهي و إن كانت لا تحمل على غلافها ما يشير إلى أية مقصدية، فإن استهلالها يحدد هويتها "(1) في حين يرى الدكتور سيد حامد النساج أن "ما يذكره بعض الكتاب المغاربة على أنه أعمال قصصية أو روائية … لم تتوفر فيه أية إمكانيات أو مقومات تؤهله لأن يحتل موقع الريادة في مجال الفن الروائي" (2) ويضيف أن "أول محاولة روائية في المغرب (في الطفولة) 1957 اتخذت شكل السيرة الذاتية" (3)
ورغم أن سؤال البدايات قد لا يكون جوهريا بما يكفي، إلا أن أهميته، مع ذلك، تبقى أكيدة، لمن يريد مقاربة واقع المتن الروائي بالمغرب. ولربما قد يكشف هذا السؤال عن أسئلة أخرى يمكن، في ضوئها،رسم ملامح الكتابة الروائية المغربية وتوصيف مساراتها وتحولاتها على وجه التقريب.
وسواء تحدرت "الرواية المغربية" من الإرث الصوفي والتاريخي والقصصي كما يعتقد الأستاذ اليبوري –المتحمس للمنتوج الإبداعي المغربي، أم خرجت من معطف السيرة كما يريد لها سيد النساج من زاوية أخرى، فإن الانطلاقة الفعلية لما يطلق عليه الرواية المغربية –بنظرنا- لم تتواتر إلا بعيد الاستقلال (1955). فمعلوم أن بين "الزاوية" 1942 و "في الطفولة" 1957 (وهما معا لا تنتميان إلى الرواية، بما هي شكل أدبي له خوارزمياته المتميزة، إلا من باب الترخص الذي تبيحه هشاشة الحدود الأجناسية) مسافة زمنية لم يسجل فيها صدور نصوص مماثلة من شأنها أن تدعم افتراض كينونة روائية بالمغرب ،وبالتالي اطرادها خلال هذه الفترة، ما خلا مسرودات قصيرة معدودة كالجاسوسة السمراء وشقراء الريف والرومية الشقراء وغادة أصيلا لبعد العزيز بن عبد الله (ظهرت جميعها سنة 1949) ووزير غرناطة 1950 لعبد الهادي بوطالب، ومترجمات متفرقة كتلك التي نقلها عبد الكبير الفاسي وقاسم الزهيري.
إن مد الأرجل في الزمن لالتماس جذور نسب لشجرة الرواية بالمغرب بغرض منحها شهادة ترشيد قسري لن يضيف إلى عمرها إلا القليل قياسا إلى عمرها في أوربا أو بالمشرق العربي، مما يجعل من كتابة سيرتها، الآن، استباقا للأوان. سيما وأن الرواية، وبرغم الخطوات التي حققتها على امتداد تاريخها الكوني ما تزال جنسا أدبيا في طور التكوين (4) وما يزال التكهن بجميع إمكانيات تشكلها مجرد مشروع مؤجل ضمن جدول أعمال طويل.
لهذا، سيكون القطع في مغربية الرواية –الآن- جبرا لخواطر مكسورة ليس إلا. فنصف قرن أو يزيد قليلا، من المحددات المعرفية والجمالية، لا يساعد على بلورة رواية لها كيان متجذر في الوعي التاريخي والجغرافي. غير أن الخوض في نشأة الرواية المغربية وامتدادها لا ينبغي له أن يتغاضى عن مجموعة من العوامل التي كان لها تأثيرها في النشأة والامتداد، نذكر منها :
- الحركة الوطنية وأفكارها المناهضة للاستعمار.
- الصراع الاجتماعي بخلفياته وسياقاته.
- التيارات النقدية والإيديولوجية.
- التواصل مع المشرق والعربي.
- المثاقفة مع الغرب.
وإذا كانت الرواية في العواصم العربية التقليدية (مصر، سوريا، لبنان) ، بحكم التفاوت التاريخي ، قد نجحت في تجاوز "صدمة البدايات" وتأسيس متخيل نافذ وخصب، فإن رواية الأطراف –ومنها الرواية المغربية- لم تتخلص بعد من أزمة هوية مضاعفة : فلا هي شرقية ولا هي غربية ولا هي هي … من دون أن يحمل هذا على الاعتقاد بأن الأزمة حالة سلبية بالضرورة، أو أن الرواية المغربية من المحتوم عليها حفر مسارها على خطى المسار الروائي العربي. وإن كان من اللازم عدم إغفال الوشائح الرحمية بين رواية المغرب ورواية المشرق؛ التي مهما ضعفت تظل قوية.
والرواية المغربية التي تبدو الآن وكأنها تختط قدرها الخاص، الذي يصعب إصدار أحكام قيمة بشأنه، هي ابنة شرعية للرواية العربية. فمن جبتها خرجت، وإليها في النهاية –مهما نأت عنها- تؤول.
ففي غياب خبرة روائية سابقة ذات بال ، ظهر، مع الستينات، نصوص عبد الرحمن المريني ومحمد عزيز الحبابي وعبد الهادي بوطالب وعبد السلام البقالي… كأصداء ورجعان أصوات لجورجي زيدان وأحمد أمين وطه حسين ونجيب محفوظ …مما أفقد كتاباتهم –باعتبارها رمزا للطفولة المبكرة للرواية المغربية(5)- أية أصالة و أي إبداع حقيقيين.
ونظرا لحساسية الأدب والفن عموما تجاه الحيثيات الاجتماعية وأسباب النزول، سرعان ما كان للخيبات والهزائم التي قادت إليها حكومات الاستقلال –وطنيا وقوميا- ردود أفعال ارتكاسية زرعت بذور الشك في القيم والانتماءات والأحلام، وعرت زيف الشعارات الكبرى لتشهد حقبة السبعينات –بما طبعها من غليان –"عقوق" الروائيين المغاربة لآبائهم الروحيين من المشارقة وهم لما يبلغوا بعد "سن الرشد" القانوني الذي يؤمن لهم الحد الأدنى من اشتداد الساعد الإبداعي في التقليد والمحاكاة. ونكاية في الشعور باليتم لم يجدوا غضاضة في استجداء أبوة جديدة، منخدعين ببريق الامتياز الذي ما انفكت الثقافة الاستعمارية تمنحه لسدنتها والمدافعين عن لغتها وهيمنتها ومصالحها. فكان احتذاء "الرواية الجديدة" في طبعنها الفرنسية المتقادمة (ألان روب غرييه، نتالي ساروت، ميشال بوتور) وسيلتهم الطيعة للعبور إلى ضفة أخرى بدون مشقة كبيرة. وطمعا في مجد سهل المنال سارع الروائيون (وفي مقدمتهم أصحاب المواهب المشكوك فيها) إلى احتلال موطئ قدم في أرض "اللارواية"، تماما كما وجد شعراء أرهقتهم موازين الخليل المعقدة خلاصهم في قصيدة النثر. ولما كان شعار المرحلة هو التمرد على ما يشكل الامتداد للذات المهزومة، ولو كان ثمن ذلك وقوعا في أسر نماذج جديدة سالبة للهوية، فقد أمعن كتاب الرواية بالمغرب في تخريب عروض الرواية المغربية، الذي لم يتقنوه يوما في مستواه الديداكتيكي المدرسي، والاستعاضة عنه بمصفوقات نثرية بلا لون ولا طعم ولا رائحة موجهين سهام التعريض والسخرية إلى من ظل يكتب وفقا لعمود الرواية القديم (نذكر هنا عبد الكريم غلاب على التحديد).
وهكذا، وقبل أن تتعلم الرواية كيف تخطو نحو "سوسيولوجيا المضمون" نراها تتعثر في ما أطلق عليه عبد الله العروي "سوسيولوجيا الشكل" .ليتأكد بالملموس أن اختيارات الروائيين لم تكن أقل تخبطا من اختيارات القادة السياسيين. ففي أوج سيادة المضامين الواقعية التجأ المغاربة إلى الأشكال، متعالين في كتاباتهم الروائية عن واقع كانت أقدامهم على صفيحه الملتهب تحترق. وهل كان من المصادفة أيضا أن يحتفي نقاد الرواية –بدورهم- بالمناهج الشكلانية والبنيوية والمرحلة تقتضي الأخذ في الاعتبار بعنف المحتويات ؟!
ليس هذا وحسب، بل إن الانبهار ب "الرواية الجديدة" في فرنسا، عند هؤلاء وأولئك أتى من احتكاكهم بالدراسات النقدية التبشيرية وليس من تأثرهم بنصوص هذه الرواية التي من المستبعد أن يطلعوا، إلا










