بقلم هشام بن الشاوي
تمتح اللغة في مسرودات الحبيب الدائم ربي من اليومي، فهو لا يراهن على الترجمة ولا الجوائز والأضواء،
وهو الميال بطبعه وشخصه إلى التواضع، إذ لا يستخدم تلك الدال الساحرة التي تسبق الاسم متبوعة بنقطة، ليتباهى بأنه (الدكتور فلان)، مثلما يفعل من في نفوسهم وهن، مكتفيا بنصوصه التواقة إلى قارئ محليّ يستوعب لغته الخاصة، القاسية الصريحة الجارحة اللا متعالية: “عامية تنضح بالشرور”، وهذا لا يعني أنه يكتب بلغة الغوغاء والدهماء، بل يشتغل على اللغة، كنحات معانٍ، يحاول تفصيح العامية و يوظف منها ما هو قريب إلى فصحى المتعالمين، و التعدد اللغوي من سمات الروائي والباحث الحبيب الدائم ربي، المتمرد على سلطة اللغة وسلطة المروي.
في روايته “زريعة البلاد”، يتحدث التاقي إلى المعزين - مصدوما- عن موت والده العجوز، ولا يخفى على القارئ منذ اللحظات الأولى أن الراوي (الكاتب؟) يلجأ إلى التضليل السردي و التثغير، فالأب سالم السلومي انتقل من بلدة الشعاب ليستقر في البنورية، و يطغى على المحكي الأفعال الماضية، والسارد/الراوي يكسّر خطية السرد، فيتداخل الزمن الحاضر و الماضي، وكما يقال فالرثاء مدح بصيغة الماضي، إنها سيرة رجل أقرب إلى الأسطورة، تتأرجح بين الغياب والحضور.. السلومي لم يستطع الاندماج مع المدينة، فارتكن إلى غربته الجوانية.. بيد أن الحكاية /الحكايات تتأبى على القارئ، الباحث عن الحقيقة، فتتلون مع المخيال الشعبي و الرواة المتحاملين، ويبدو أن حكاية ذهاب السلومي وابنه التاقي إلى الرباط ولقائه بالسلطان ملفقة، والسبب غناه المفاجئ بعد ذلك اللقاء، ورغم البؤس المرير نصطدم بسخرية سوداء، وهذا ليس بغريب عن الفضاءات البدوية و بسطائها، وهي سخرية حكيمة. فأين الحقيقة عند رواة المد والجزر، الهدم والبناء.. راوٍ يسرد وقائع، وآخر ينفي وثالث يكذب كل ما حدث؟
والحديث عن الغنى يجر دفة السرد ناحية حكاية الصندوقين الواقعين من الطائرة الفرنسية، أحدهما كبير معدني، وآخر كرتوني صغير كان من نصيب السلومي، فتربص به ثلاثة شبان من القرية للاستيلاء عليه، بيد أنهم تراجعوا خشية أن يكون مسلحا، وهو المحارب القديم، والصندوق الكبير اجتمع حوله رجال السلطة وكبار البلدتين المتجاورين و كذلك العوام من أجل الظفر بنصيب من الغنيمة، وفي ما يشبه الاحتفال. لكنهم فوجئوا بأن الكنز لم يكن غير فضلات بطون الفرنسيين، وقد
















