أوراق من زريعة البلاد

فبراير 17th, 2008 كتبها الحبيب الدائم ربي نشر في , مشاكساتهم

بقلم محمد البوزيدي

1+تقديم
زريعة البلاد هي سادس عمل إبداعي للباحث الأكاديمي الدكتور الحبيب الدايم ربي بعد روايته المنعطف الصادرة سنة 1987 وبعد المجموعات القصصية :حروب صغيرة / طاحونة الأوهام / زهرة الأقحوان /GUEGUERRES ، وتقع الرواية في 112 صفحة من الحجم المتوسط ، و تتوزع على 21 جزءا يكمل بعضها بعضا ضمن نسيج استثنائي في الرواية المغربية.
وقد تصدرتها لوحة تشكيلية في الغلاف تحمل أكثر من معنى إذ تضم شخصين غير مكتملين نبتا في الأرض كما تنبث كل زريعة يتم غرسها ، أحدهما يقف أمام خلفية لوحة بيضاء ،والآخر مدفون في الأرض نصفه بلون أحمر قاتم يشير لحمام دم معين، وقربهما بدأت أزهار حمراء تتلمس طريقها في الهواء بفسحة وأمل.
وقد تموقعت هذه اللوحة وسط غلاف أسود يهمس للقارئ منذ النظرة الأولى أن سمة الحزن ستهيمن على الرواية ،فقد امتزج لون الدم الأحمر القاتم وسواد الليل والإنسان الذي احتوى التراب نصفه ، والمصر وع أمام عيني أخيه الذي يقف على جانبه كئيبا يتأمل المنظر الحزين.
إنها دلالات أولية في الرواية التي تعتبر بمثابة مرآة عاكسة للتشكيلات الجينالوجية المختلفة للمجتمع المغربي،إنها تحاول نسج كل الخيوط المتشابكة لتقدم لنا صورة حقيقية بدون أصباغ لما نعيشه في حياتنا اليومية ،وفي نفس الوقت تصدمنا صدمات متميزة بأساليب آية في الدقة والبيان وبدون عمى ألوان ولكأنها تصرخ فينا هانحن…- كمجتمع - على حقيقتنا …الساطعة في معاملاتنا اليومية .
إنها زريعة البلاد ،والزريعة من الحب وهو الذي يغرس في الأرض وينمو…و… وهي مفرد بصيغة الجمع ،وضمن الرواية تفكيك وتقشير لزريعة – نغرسها دوما وعلى أجيال - يأبى معظم الكتاب في أعمالهم الإبداعية على استكشاف دواخلها مفضلين الإبتعاد عن الوجه الساطع لما يختزنه المجتمع إلى عالم الخيال أو المقاربات الأكاديمية المعتمدة على اللغة الفصحى .
إن رواية * الكاتب المغوار * 57 بقدر ماتقدم طبقا شهيا تتداخل فيها اللغة واللهجة وغير اللغة وغير اللهجة عبر كلمات غير مفهومة – سيرة الراحل ( المعطعطة) 8/هو الأسد (الغضنفر) 32- يصعب تصنيفها في موقع ما وبقاموس عجيب لن يدركه سوى الحبيب الذي كثيرا مانظر وأطر للعلاقة المفترض أن تربط بين اللغة الفصحى والدارجة في الأعمال الإبداعية .
وعلى طول الصفحات حاولت أن أمسك بتلابيب الرواية الشيقة محاولا إعادة نسج خيوطها ،ورغم قراءتها مرات عديدة لا يسعني إلا الاعتراف أني أحسست أني لست *قمارا محترفا * وأني تهت في ما انتهجه الكاتب كدليل لإكتشاف أغوار الرواية وهي *لعبة الثلاث أوراق *57 لذلك لم يكن لي بد من - لا عن رضى طبعا –التورط في اختيار *الورقة الخاسرة *57 في أحيان عديدة *فالكنز فقد والحكايات اختلطت وتعددت دونما اتجاه *. ورغم ذلك سأحاول ملامسة أوراق أخرى لعلها قد تكون رابحة هذه المرة من جوانب مختلفة خاصة التركيز على ضبط مختلف العلاقات الاجتماعية العامة داخل المجتمع المغربي داخل الرواية ،أي مختلف القيم التي يحيل عليها النص انطلاقا من الوسط والمكان الذي يتحرك فيه أبطال الرواية وهو الوسط البدوي الخاص .

2+النداء العجيب
ياخسارة ،إنها العبارة التي تستقبل المتلقي في أول سطر وتودعه في آخر سطر، مع الفرق بين مصدرها ،ففي بداية الرواية يعتبر البطل هو المصدر ، بينما كان الكاتب صاحب النداء في السطر الأخير.
فلماذا توحد الكاتب مع أحد شخصياته في الصدح بعبارة تحمل نداء عجيبا صارخا وتدل على – الانهيار- الذي يحيل على الحسرة من ضياع شيء ما وعدم القدرة على التدخل لاسترداده فماذا ضاع ؟ولماذا ؟ومن المسؤول ؟..و…..
ورغم ارتباط النداء بتيمة الموت الذي نسج على طول الرواية خرائط أفقية وعمودية ذات دلالة لكننا ندرك أن آثاره تمتد لما هو أوسع في العلاقات الاجتماعية المهيمنة داخل النموذج المصغر للعائلة والبلدة .
لقد تحسر الكاتب ،والبطل الذي مازال الشك في قوله اياها *ربما ماقالها صاحبها على الإطلاق *3 على القيم الاجتماعية السلبية السائدة في المجتمع والتي تعكس صراعا فرديا مع ذات الشخص وجماعيا مع المتعدد ، وألح على التعبير عنها باللسان العامي العادي :
1*القلق :إن الوضعية الاجتماعية والاقتصادية لأبطال الرواية تؤدي لصدور آلام من نوع خاص لا يجد المواطن المغربي غضاضة للتعبير عنها بقاموس خاص متداول سنحاول استكناه جوهره ودلالاته المتعددة من خلال الألفاظ المتداولة ومن بينها :
+ *جنافو *25 وهي للدلالة على عدم الاحتياط وشدة الانتباه وليقع ماسيقع بعد ذلك
+*طوزاميرد*25 وهي كلمة تدل على التضجر الذي يصل مرحلة متقدمة وأصل الكلمة فرنسي بقي منغرسا في المجتمع منذ الحقبة الاستعمارية.
+*تفو ياخزيت *37 وتعني النفور التام من شخص ما لسبب من الأسباب وارتبطت بمفهوم الخزي.
2*الكراهية: نظرا للتفاوت الطبقي أو للموقع الاجتماعي تهيمن الغيرة على الأفئدة، فتنهمر الأحقاد، لكنها لن تجد سبيلا بعد استنفاذ الوسائل المختلفة سوى بالدعاء بالضرر، هذا الدعاء يحمل شيما متنوعة وخاصة ،وقد ذكر الكاتب بعضها على لسان أبطاله:
*الله يقطع لجد أمها النسل *25 وهو دعاء بالعقم لكن كيف يقطع نسل جد ما أصبح جدا ؟؟؟؟
*الله يسلط عليها العذاب *46 *الله يهلكها ..الله يحرف عظامه ..الله يوعثه..*41
بغيت له الضر 40 تفو على ماركة ناقصة 7
والجدير بالذكر أن أغلب هذه العبارات توجد بين عريضتين فمن يتكلم ؟وهل هو انسياق الكاتب مع الجو العام ؟ أم يتكلم باسم أبطاله ؟
3*الاحتقار :إن ذهنية الإنسان العربي عامة والبدوي خاصة – بدون مبالغة – تحيل على الاحترام وبالمقابل تفيد على النظرة المعاكسة في حالة إذا أحس المعني بالأمر أنه صدر رد فعل غير صحيح من الطرف الثاني خاصة إذا كان موقعه الاجتماعي أحسن وهذا ماتجلى في بعض الإشارات التي تضمنتها الرواية :
البدوي المجرتل أبوخنشوش 11
اش عاطيني حزقة الا ربع 17
البدوي القح /الخماكي /8
أولاد اللخ 8
إنها ألقاب متعددة تصدر عند الفشل من إلحاق ضرر ما بشخص معين ،وظاهرة الألقاب عريقة في المجتمع0 ولنلاحظ انه في آخر الصفحات كيف أن لكل بطل لقب خاص يحيل على الاحتقار بل وتحريف اسمه الحقيقي كاسماعين الريح /قاسم الأبكم /ميلود النفناف..الزنبور /شهبون الحافة 90 حماد الضب 91/الزاهية العشابة 93
4*ذهنية التهديد
حين يعجز الإنسان عن فرض وجهة نظره بطريقة معينة يلتجأ إلى التهديد والقسم على شئ قصد فرضه قسرا ،فالقسم لدى الناس له منزلة متميزة لسيما إذا اقترن بفترة الغضب والوعيد من تحقق عكس الشيء المأمول كما في العبارات الآتية
والله عمره لا لحسها 36
والله وتثورني حتى نجي نعبج لذيل امك الكرش
قطع حسك هذاك السارح/ خلي الدرية تنعس ف خاطرها / والله القسم اللزم /نحن بالله وبالشرع 8
خلاء دار امه5 / سير وحتى للغد ويحن الله وإلا ذنوبكم على رؤوسكم 14
5*الغدر: في ذروة الصراعات المتعددة الأبعاد التي تتخذ سمات معينة يحضر الغدر كسلوك تاريخي يتغيى به الفرد تحقيق قفزة معينة في مضمار معين ،وفي الرواية تجسيد لهذا الاتجاه ،ويحضر الأمر بطرق عديدة فتارة بصيغة الأنا :تفليت عليكم 4 وتارة بصيغة الغائب :الإخوة تقاسموا التركة وشطبوه من الحساب 36 / المطور 4 وتارة أخرى بصيغة تشير لضرورة الاحتياط من القادم من الأفعال والتحذير من ذلك الشخص بصيغة التصغير في إشارة لذم فعل الغدر في حد ذاته :كن على بال راه غديدير 34
6*الترغيب :لقد تكرس تاريخيا في المجتمع البدوي الذي تجري في إطاره أحداث الرواية ظاهرة الطلب من شخص ما يمتلك سلطة مادية أو معنوية بكل الطرق الممكنة التي تحيل على رجاء ملح جدا الطليب والرغيب والتعوريط وبوس الرجلين 12 ويبقى فيه إرضاء الشخص عنصرا محوريا *مايكون خاطرك الشريف* هذا الأخير الذي يرفض تنفيذ شيء ما باحتيال مثلا أوبتعال ياك بعد غير بالخاطر 12

7*الخنوع في العلاقة مع الآخر تبرز ذهنية الانضباط غير المبرر أحيانا خاصة مع المخزن حيث ترى كلمة * نعم اس *مازالت تحفر جيدا في المخيال الجمعي واللاشعور الفردي .
3+سلوك الكاتب إزاء المتلقي
في علاقته مع المتلقي المستهدف اتخذ الكاتب مواقف عديدة يمكن جرد بعضها
1- الصدمة:إن القارئ للرواية يجد فيها صدمات خاصة من خلال المواقف الآتية :
+ طبيعة العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع البدوي ( غدر /خيانة زوجية /حقد وحسد/النظرة للمخزن نظرة وقار /…….)
+طبيعة الألفاظ المستعملة والتي هي تعبير حي عن ما نتحدث به في واقعنا بدون أدنى إحراج وهي بمثابة خبز يومي.
ترى لماذا اعتمد الكاتب هذا القاموس الخاص من المصطلحات غير المألوفة في مجتمعنا:
1. هل استهدف إبراز الواقع دون مساحيق ؟ فلماذا يصر بعض الكتاب على سرد ما يجري من أحداث مجتمعية ب *حشمة

المزيد


اللغة والخطاب في زريعة البلاد

فبراير 17th, 2008 كتبها الحبيب الدائم ربي نشر في , مشاكساتهم

  

اللغة والخطاب في رواية "زريعة البلاد"
بقلم الدكتور أحمد زنيبر
شكلت الكتابة القصصية والروائية، لدى الكاتب والباحث المغربي الحبيب الدائم ربي، مجالا خصيبا للتجريب اللغوي، من جهة، ومرتعا أدبيا للصنعة الفنية، من جهة ثانية. ولعل ما يمنحه عالم السرديات، من تقنيات جمالية وكشوفات لا نهائية، يشعر بانفتاحية الاختيار وتعددية أفق الانتظار. وبصدور رواية "زريعة البلاد" يؤكد الحبيب قناعته بهذا الجنس الأدبي ويواصل النبش، من خلاله، بما أوتي من زاد معرفي ولغوي، في عوالم وأسرار الحكي، سواء الافتراضي منه أو الواقعي.
فماذا عن هذا المنجز الإبداعي، كتجربة روائية جديدة؟ وماذا عن موضوعاتها وقضاياها؟ وكيف انبنت داخلها الحكاية، في ارتباطها بالشخوص والأحداث؟
يبتدئ الفصل الأول من الرواية المعنون بـ(خروب بلادي) بعبارة "يا خسارة" وينتهي بنفس العبارة، في فصلها الأخير المعنون بـ(الدنيا الغرارة)، مع فارق في الدافع والمقام. وبين الخسارتين مسار تجربة إنسانية تتجسد في شخصية محورية تدور حولها مجموعة من الوقائع والأحداث، تشكل في النهاية، عالما روائيا ممتعا لـ"زريعة البلاد". إنها شخصية سالم السلومي، ابن البادية المغربية، الذي لم يسلم من ألسنة الناس منذ صار حديث مجالس، بعد التحاقه بالمدينة، إلى أن استسلم للموت وطواه التراب. شخصية إشكالية حيث سلوكها الملغز ومواصفاتها وألقابها المتعددة؛ بل وما حيك عنها من أخبار متضاربة بين الحقيقة والاغتياب، ومن حكايات أخر متعاقبة، بقدر ما تبعدنا عن هذه الشخصية (السلومي) جراء ما ألصق بسيرتها من صفات التغابي والتحايل والتسلط والتنكر وما إليه من فضاء الصفات الملغومة بالأسرار والريب، بقدر ما تقربنا منها عبر تزيينها بأجمل الصفات، حيث البدوية الخالصة والتشبث بالأرض والأصول وبالقيم النبيلة وغيرها، من العلامات، التي تجعل صاحبها محبوبا لدى أسرته ولدى أهالي بلدته، على حد سواء.
ولعل ورود المفاجآت وردود الأفعال، وكذا عرض المواقف والحالات، داخل المتن الحكائي، كان وراء بناء عالم واقعي وتخيلي، في ذات الآن، لهذه الشخصية المحورية، في انفعالها وتفاعلها بالسياق وبالآخر. يقول الكاتب: "تعود الحكاية، والله أعلم، إلى أربعينيات القرن الماضي حين عاد سالم السلومي، فجأة، مفلسا، عليلا وكالمخبول، من الحرب العالمية الكبرى. بعدما أشيع أنه قتل. عاد دون أن يصدق أحد عودته، ولا هو نفسه صدق. كان صدى القذائف يصك أذنيه ما يزال. لم تعد الحياة بعد الحرب تساوي لديه "روثة" ومات فيه الخوف. من ثم صار الشجعان والخوافون يهابونه على السواء. عاد معطوبا، وبلا غنائم. فالحرب لم تكن حربه، والخسائر كلها كانت من نصيبه." (ص36) لتتناسل الحكايات، بعد ذلك، منها المغرضة ومنها المضحكة، على لسان السارد تارة، وعلى لسان بعض الشخصيات المشاركة في الحدث أو المصاحبة له، تارة أخرى.
وتبعا للمكانة الإنسانية والرمزية، التي حظي بها سالم السلومي، كشخصية فاعلة في صنع الحدث داخل الرواية، فقد شدت الأنظار إلى حياته وأثارها ذلك التحول المفاجئ، الذي عرفه خلال رحلته من البادية (بلدة الشعاب) إلى المدينة (البنورية) وما رافق ذلك من تغير مس تفكيره وسلوكه. وطالما أن "اللغو بالمجان" كما يقول الكاتب (ص19) فلم تسلم سيرة الرجل من دسائس ومؤامرات، حيا وميتا؛ الأمر الذي يجسم نوعية من البشر في طريقتها لاستقصاء الخبر وإشباع الفضول، وبالتالي نقل المعلومة وتصريف القول إثباتا أو نفيا، على سبيل النميمة أو الإشاعة، أو هما معا، كالحكاية/الخرافة المنسوجة عنه مع السلطان وأتباعه. يقول الكاتب: "وعاد السلومي وابنه من الرباط محملين بالذهب واللويز والمال الذي "يتحرق ما يتم". ومنذ ذلك اليوم أصيح السلومي يصول ويجول ولا يأبه بشيء ما دام قد "عصر" الناس ديال الرباط، وبالأحرى "حلاليف الغابة" كما يحلو له الزعم في حق الأهالي من البلدة." (ص17) أو الحكاية المضحكة عن العلبة السوداء (ص18-24) وغيرهما من الحكايات الملفقة من ألف.
وهكذا، عبر أجنحة الحكي الموزعة على فصول ومقاطع الرواية، يحملنا السارد/الكاتب نحو عوالم من المشاهد والوقائع والأخبار والحوارات، في ارتباطها المباشر وغير المباشر، أحيانا بالشخوص الرئيسية منها والهامشية، مما يشكل أفقا موضوعاتيا لعرض الأفكار والمواقف، وفق لغة تتغيا الاقتراب من الحدث والشخصية، في ذات الآن.
ولما كانت اللغة ، بصورة أو بأخرى، وعاء للحكي؛ فإن الكاتب أولاها عناية خاصة، حيث احتفاؤه بمعجم متنوع ومختلف في عرض الظواهر والقضايا. معجم يجمع بين العامي والفصيح من جهة، ومعجم يزاوج بين القديم والحديث، من جهة ثانية، ومعجم آخر يحيل إلى عالميْ البداوة والحضارة، من جهة ثالثة. يقول الكاتب: "وكما أراد الرواة فقد أتى، هو الأسد الغضنفر، ذلك الخريف كسيرا جاثيا، مروضا، خنوعا، إلى المدينة. ارتكن ارتكان علوش وديع يسلم عنقه للقصاب. كأنه ما كان أسدا يوما، وما كانت له صولة. اقتيد، كما زعموا، تحت سدل الديجور، في صمت مشوب بمهانة. لتشهد تخوم الشعاب الشرقية أفراحا أقامها الخصوم بالمناسبة… وفي الليل سكن الأزواج إلى زوجاتهم بزهو أصحاب الشلاغم المعصفرة. دردكوا بلا رقيب ولا محتسب، وحبكوا الحكايات المطرزة بالبطولات والأوهام." (ص32-33).
لقد جاءت لغة "زريعة البلاد" ، كما أرادها الكاتب، فاضحة وجارحة، من ناحية، ومارقة وحارقة، من ناحية ثانية، في جرأتها ونقدها وفي بوحها ونفاذها إلى الأعماق. إنها لغة تغترف من عدة مشارب ثائرة على وضعيات وسلط جاثمة على الأنفاس، منها سلطة الكتابة واللغة ذاتها.
وبين هذا المعجم أو ذاك، تشكل، تبعا لذلك، خطاب الرواية، بما يشمله من حكايا مجزأة ومفصلة، بحسب المقال والمقام. ومن ثمة أيضا، هيمنت موضوعات دون أخرى، على إيقاع السرد في الرواية، كالموت والهجرة والجفاف والأخلاق والقيم والأعراف والحب والكراهية والسلطة والخيانة وغيرها، مما تخلل الحكاية الكبرى، بصورة تجعل القارئ مشدودا إلى طرائق الحكي، من ناحية، وإلى ما بين خطاب الكاتب وخطاب السارد من تماه وتداخل، من ناحية أخرى. يقول الكاتب/السارد: "كان من المفروض أن يغير السلومي سلخه ويبدأ شوطا جديدا من حياة الرفاه النسبي. أن يكتب تاريخا آخر غير تاريخ الشعاب الحرشاء الجوعانة. أن يغتال ذكرياته مع التراب والنبات والظمآن والحيوانات العجاف ويرتاح من عبء الذكرى: ذكرى الذين عبروا والذين هم على الطريق، لكنه لم يستطع إلى ذلك سبيلا. من هنا داهمه، مبكرا، سوس الموت." (ص75).
إن ارتكاز الكاتب على ملفوظ اجتماعي يرتبط بالمكان والزمان وبتحولات الإنسان، داخل وخارج الحكاية، لدليل على ارتباط النص الروائي "زريعة البلاد" بسياقه الاجتماعي، قلقا واضطرابا، من حيث إن اللغة، في تصويرها لهذا الواقع، الحلو/المر، تقدم صورا تقريبية، سلبا وإيجابا، عن أنواع الصراع الحاصل بين الأفراد والجماعات وما ينشأ عن هذا الصراع، الخفي منه والمعلن، من غدر وأحقاد وتهديد وإهانات. يقول الكاتب: "وكلما حاز مهاجر "زريبة" من الصفيح في ضاحية المدينة كان حديث إعجاب حسود. يتسابق الأفراد إلى التبريك له للتجسس عليها وأخذ النصيب من الغنيمة قبل الآخرين." (ص8. هذا دون أن يغفل الكاتب حدود الصراع/الحوار، بين الذات مع نفسها، تارة، ومع الآخر، حضورا وغيابا، تارة أخرى.
ومن هنا، كانت الرواية تعرية للواقع المغربي، في طابعيه البدوي والحضري معا، ورصدا تأمليا لظواهره وإفرازاتها، وبالتالي جهدا فنيا يمنح عالم الحكاية والأشياء معنى جديدا وقراءة منفتحة على الاحتمال، الممكن واللاممكن أيضا. يقول الكاتب: "بنات الشعاب كلهن، رغم العوز، موردات خدود. يأتي الجفاف ولا ينقطع الغرس، يحصد الموت الصغير والكبير، اليابس والأخضر وتظل البلدة ناغلة. وحدها أم التاقي كانت غريبة وما أنجبت غير ثلاثة بطون. أما نسوة بلدة الشعاب فولادات: زريعة البلاد. فقلما ترى هناك امرأة لا تجر وراءها "سرسوبا" من الأطفال وهي ما تزال بعد طفلة. وهذا يعجل باستنزاف صحة النسوة ويؤدي إلى شيخوختهن قبل الأوان. والرجال وإن كانوا بدورهم يضيعون نضارتهم وهم شباب إلا أن بعضهم يحافظ على صلابته حتى يدركه الموت." (ص86).
وهكذا، تحيل الرواية، من خلال خطابها المرجعي المتشعب، في مقاطع كثيرة، إلى نمط مجتمعي تولد عن الفترة الممتدة من الأربعينيات من القرن الماضي إلى حدود السبعينيات، حيث الهجرة من القرية إلى المدينة بحثا عن الذات، ذهابا وإيابا، وطمعا في الارتقاء، ماديا ومعنويا؛ غير أن رياح الأيام وقساوة الحياة جرت أحيانا، بعكس ما تشتهيه سفن المطامح والرغ


المزيد


Livre Guide:Sidi Bennour et sa région

يناير 17th, 2008 كتبها الحبيب الدائم ربي نشر في , مشاكساتهم

Michel Amengual (15/1/2008 . Id:6214)


Je ne voudrais pas perdre la confiance placée en moi par El Hadi Mounir qui me reproche de ne pas avoir parlé du « petit guide d’El Jadida »… mais je n’ai pas parlé non plus du guide de Laurent Guinard, ni de
celui, pourtant fort intéressant et écrit en arabe de mon très cher ami Habib Daïm… Comme je n’ai pas parlé non plus des guides bleus du temps du Protectorat. (J’en ai un exemplaire datant de 1925 : un véritable bijou… à l’égal de celui de Mustapha Jmhari, qui n’est pas pour moi un guide, au sens moderne du terme : pas d’adresses, des photos plutôt modestes, aucune ne recherche dans la mise en page, mais une mine inépuisable d’informations, qu’on ne trouve pas ailleurs : C’est mon livre de chevet. C’est souvent à partir de son ouvrage que je développe mes chroniques). Et je regrette qu’El Hadi Mounir me prête des arrières pensés (règlement de compte, dit-il…) Mais on m’en prête tellement. On dit qu’on ne prête qu’aux riches. Rassurez-vous, je ne le suis pas et l’argent ne m’a jamais intéressé; et ceux qui me connaissent savent que je n’ai jamais reçu le moindre centime de qui que ce soit, pour quelque service que ce soit. Ni ne veux en recevoir. Le bénévolat à l’état pur. Voyez-vous, je suis journaliste, je raisonne en journaliste. Et je vis en journaliste.

C’est par pure confraternité et amitié, je n’ai pas voulu parler du « Petit guide d’El Jadida ». D’abord parce qu’il est à l’affiche permanente de rusibis.com et cette publicité peut suffire. Et d’autre part, si j’avais eu à dire au moment où il est sorti ce que j’en pensais, on aurait dit : c’est encore un règlement de compte ! Car ce que j’en pense, puisque vous me le demandez, et je ne veux pas me dérober à votre critique : c’est qu’il n’est ni complet, ni pratique, ni gratuit.

Ni complet, parce qu’il y manque de nombreuses adresses et qu’il n’est pas neutre comme un vrai guide se doit de l’être. Ni pratique : la carte d’El Jadida, divisée en 11 pages est difficilement maniable ; les photos sont belles, mais peut-être un peu trop sophistiquées dans leur coloriage ou leur montage, (c’est mon avis que d’autres sont autorisés à ne pas partager !) Il y a trop de caractères typographiques différents qui lassent l’œil au point qu’on en perd la lecture; et certaines pages au fond trop vert ou trop rouge ou trop bleu rendent le texte en blanc en surimpression difficilement lisible… Et puis le Prix : Vendu à 100 Dh, voire 150 Dh, pour un opuscule de 70 pages (dont 20 pages de pure

المزيد


زريعة البلاد

سبتمبر 20th, 2007 كتبها الحبيب الدائم ربي نشر في , مشاكساتهم

 بقلم محمد معتصم

1/ منذ روايته الأولى “المنعطف” أظهر الروائي والقصاص والباحث المغربي “الحبيب الدائم ربي” عن تميزه. وذلك باختياره لغة خاصة تزاوج بين اللسان والكلام، كما يقول اللسانيون المعاصرون. واختار لغة تواجه، وتلعن، وتحتج، وتكسر أفق التلقي، وتخرج الشخصية القصصية والروائية من عوالمها المفترضة وتزج بها في الواقع المعيش. فالكتابة عند الحبيب الدائم ربي ليست “تجميلا للمأساة” كما كانت واقعية غوركي تدعو إليه. بل هي من صميم الواقع والحياة.

2/ وروايته الثانية الصادرة هذا العام (2004م)، بالدار البيضاء، المغرب. تحت عنوان “زريعة البلاد”. تحمل الخصائص المميزة ذاتها للكتابة عند الحبيب. فاللغة مستويات مختلفة ومتنوعة. ترقى في الأجزاء الأخيرة من الرواية إلى اللغة العربية الشفافة والفصيحة النقية التي لا تشوبها شائبة. وترتبط غالبا بصوت السارد، أو بصوت الشخصية الفاعلة في الحكاية “التاقي”. ثم تتأرجح بعد ذلك بين اللغة الفصيحة، وبين الدرجة المغربية، والمرتبطة بالبيئة البدوية الجافة، والقاحلة.

وفي هذا السياق الذي يهيمن على الأجزاء الأولى من الرواية، تتداخل العديد من الأصوات، واللهجات، واللغات. ويضمن الكاتب السرد العديد من النصوص والمتون؛ كالأمثال السائرة، والأمثال الدارجة المغربية، والعبارات الفاضحة للنفوس المريضة، الحاسدة والحاقدة.

3/ كما أن من خصائص الكتابة الروائية لدى الحبيب الدائم ربي، التجريب، وتكسير أفق التلقي. ويبرز التجريب اللغوي في المزاوجة بين الدارجة المغربية واللغة العربية الفصيحة. وينبه الكاتب القارئ إلى مسالة مهمة جدا تتمثل في كون اللهجة الدارجة المغربية في المناطق النائية (العروبية)، ترتبط كثيرا باللغة العربية الفصيحة مع تحريفات صوتية، وكتابية. ومن تلك التجربة نقترح تدخل الكاتب في النص التالي، نموذجا:” – والله ما شفته مغروس (ﭑ) في الروضة لا صدقت واحدا منكم.” ص (34). وكذلك:” …كان راكب (ﭑ) على دابة كحلة (أعزكم الله)، ولابس (ﭑ) جلابة كحلة غرية (الصباحات لله) مقزبة، وكملها وجملها بوجهه الزين المحمم بالفاخر. الكان ن

المزيد