بقلم محمد البوزيدي
1+تقديم
زريعة البلاد هي سادس عمل إبداعي للباحث الأكاديمي الدكتور الحبيب الدايم ربي بعد روايته المنعطف الصادرة سنة 1987 وبعد المجموعات القصصية :حروب صغيرة / طاحونة الأوهام / زهرة الأقحوان /GUEGUERRES ، وتقع الرواية في 112 صفحة من الحجم المتوسط ، و تتوزع على 21 جزءا يكمل بعضها بعضا ضمن نسيج استثنائي في الرواية المغربية.
وقد تصدرتها لوحة تشكيلية في الغلاف تحمل أكثر من معنى إذ تضم شخصين غير مكتملين نبتا في الأرض كما تنبث كل زريعة يتم غرسها ، أحدهما يقف أمام خلفية لوحة بيضاء ،والآخر مدفون في الأرض نصفه بلون أحمر قاتم يشير لحمام دم معين، وقربهما بدأت أزهار حمراء تتلمس طريقها في الهواء بفسحة وأمل.
وقد تموقعت هذه اللوحة وسط غلاف أسود يهمس للقارئ منذ النظرة الأولى أن سمة الحزن ستهيمن على الرواية ،فقد امتزج لون الدم الأحمر القاتم وسواد الليل والإنسان الذي احتوى التراب نصفه ، والمصر وع أمام عيني أخيه الذي يقف على جانبه كئيبا يتأمل المنظر الحزين.
إنها دلالات أولية في الرواية التي تعتبر بمثابة مرآة عاكسة للتشكيلات الجينالوجية المختلفة للمجتمع المغربي،إنها تحاول نسج كل الخيوط المتشابكة لتقدم لنا صورة حقيقية بدون أصباغ لما نعيشه في حياتنا اليومية ،وفي نفس الوقت تصدمنا صدمات متميزة بأساليب آية في الدقة والبيان وبدون عمى ألوان ولكأنها تصرخ فينا هانحن…- كمجتمع - على حقيقتنا …الساطعة في معاملاتنا اليومية .
إنها زريعة البلاد ،والزريعة من الحب وهو الذي يغرس في الأرض وينمو…و… وهي مفرد بصيغة الجمع ،وضمن الرواية تفكيك وتقشير لزريعة – نغرسها دوما وعلى أجيال - يأبى معظم الكتاب في أعمالهم الإبداعية على استكشاف دواخلها مفضلين الإبتعاد عن الوجه الساطع لما يختزنه المجتمع إلى عالم الخيال أو المقاربات الأكاديمية المعتمدة على اللغة الفصحى .
إن رواية * الكاتب المغوار * 57 بقدر ماتقدم طبقا شهيا تتداخل فيها اللغة واللهجة وغير اللغة وغير اللهجة عبر كلمات غير مفهومة – سيرة الراحل ( المعطعطة) 8/هو الأسد (الغضنفر) 32- يصعب تصنيفها في موقع ما وبقاموس عجيب لن يدركه سوى الحبيب الذي كثيرا مانظر وأطر للعلاقة المفترض أن تربط بين اللغة الفصحى والدارجة في الأعمال الإبداعية .
وعلى طول الصفحات حاولت أن أمسك بتلابيب الرواية الشيقة محاولا إعادة نسج خيوطها ،ورغم قراءتها مرات عديدة لا يسعني إلا الاعتراف أني أحسست أني لست *قمارا محترفا * وأني تهت في ما انتهجه الكاتب كدليل لإكتشاف أغوار الرواية وهي *لعبة الثلاث أوراق *57 لذلك لم يكن لي بد من - لا عن رضى طبعا –التورط في اختيار *الورقة الخاسرة *57 في أحيان عديدة *فالكنز فقد والحكايات اختلطت وتعددت دونما اتجاه *. ورغم ذلك سأحاول ملامسة أوراق أخرى لعلها قد تكون رابحة هذه المرة من جوانب مختلفة خاصة التركيز على ضبط مختلف العلاقات الاجتماعية العامة داخل المجتمع المغربي داخل الرواية ،أي مختلف القيم التي يحيل عليها النص انطلاقا من الوسط والمكان الذي يتحرك فيه أبطال الرواية وهو الوسط البدوي الخاص .
2+النداء العجيب
ياخسارة ،إنها العبارة التي تستقبل المتلقي في أول سطر وتودعه في آخر سطر، مع الفرق بين مصدرها ،ففي بداية الرواية يعتبر البطل هو المصدر ، بينما كان الكاتب صاحب النداء في السطر الأخير.
فلماذا توحد الكاتب مع أحد شخصياته في الصدح بعبارة تحمل نداء عجيبا صارخا وتدل على – الانهيار- الذي يحيل على الحسرة من ضياع شيء ما وعدم القدرة على التدخل لاسترداده فماذا ضاع ؟ولماذا ؟ومن المسؤول ؟..و…..
ورغم ارتباط النداء بتيمة الموت الذي نسج على طول الرواية خرائط أفقية وعمودية ذات دلالة لكننا ندرك أن آثاره تمتد لما هو أوسع في العلاقات الاجتماعية المهيمنة داخل النموذج المصغر للعائلة والبلدة .
لقد تحسر الكاتب ،والبطل الذي مازال الشك في قوله اياها *ربما ماقالها صاحبها على الإطلاق *3 على القيم الاجتماعية السلبية السائدة في المجتمع والتي تعكس صراعا فرديا مع ذات الشخص وجماعيا مع المتعدد ، وألح على التعبير عنها باللسان العامي العادي :
1*القلق :إن الوضعية الاجتماعية والاقتصادية لأبطال الرواية تؤدي لصدور آلام من نوع خاص لا يجد المواطن المغربي غضاضة للتعبير عنها بقاموس خاص متداول سنحاول استكناه جوهره ودلالاته المتعددة من خلال الألفاظ المتداولة ومن بينها :
+ *جنافو *25 وهي للدلالة على عدم الاحتياط وشدة الانتباه وليقع ماسيقع بعد ذلك
+*طوزاميرد*25 وهي كلمة تدل على التضجر الذي يصل مرحلة متقدمة وأصل الكلمة فرنسي بقي منغرسا في المجتمع منذ الحقبة الاستعمارية.
+*تفو ياخزيت *37 وتعني النفور التام من شخص ما لسبب من الأسباب وارتبطت بمفهوم الخزي.
2*الكراهية: نظرا للتفاوت الطبقي أو للموقع الاجتماعي تهيمن الغيرة على الأفئدة، فتنهمر الأحقاد، لكنها لن تجد سبيلا بعد استنفاذ الوسائل المختلفة سوى بالدعاء بالضرر، هذا الدعاء يحمل شيما متنوعة وخاصة ،وقد ذكر الكاتب بعضها على لسان أبطاله:
*الله يقطع لجد أمها النسل *25 وهو دعاء بالعقم لكن كيف يقطع نسل جد ما أصبح جدا ؟؟؟؟
*الله يسلط عليها العذاب *46 *الله يهلكها ..الله يحرف عظامه ..الله يوعثه..*41
بغيت له الضر 40 تفو على ماركة ناقصة 7
والجدير بالذكر أن أغلب هذه العبارات توجد بين عريضتين فمن يتكلم ؟وهل هو انسياق الكاتب مع الجو العام ؟ أم يتكلم باسم أبطاله ؟
3*الاحتقار :إن ذهنية الإنسان العربي عامة والبدوي خاصة – بدون مبالغة – تحيل على الاحترام وبالمقابل تفيد على النظرة المعاكسة في حالة إذا أحس المعني بالأمر أنه صدر رد فعل غير صحيح من الطرف الثاني خاصة إذا كان موقعه الاجتماعي أحسن وهذا ماتجلى في بعض الإشارات التي تضمنتها الرواية :
البدوي المجرتل أبوخنشوش 11
اش عاطيني حزقة الا ربع 17
البدوي القح /الخماكي /8
أولاد اللخ 8
إنها ألقاب متعددة تصدر عند الفشل من إلحاق ضرر ما بشخص معين ،وظاهرة الألقاب عريقة في المجتمع0 ولنلاحظ انه في آخر الصفحات كيف أن لكل بطل لقب خاص يحيل على الاحتقار بل وتحريف اسمه الحقيقي كاسماعين الريح /قاسم الأبكم /ميلود النفناف..الزنبور /شهبون الحافة 90 حماد الضب 91/الزاهية العشابة 93
4*ذهنية التهديد
حين يعجز الإنسان عن فرض وجهة نظره بطريقة معينة يلتجأ إلى التهديد والقسم على شئ قصد فرضه قسرا ،فالقسم لدى الناس له منزلة متميزة لسيما إذا اقترن بفترة الغضب والوعيد من تحقق عكس الشيء المأمول كما في العبارات الآتية
والله عمره لا لحسها 36
والله وتثورني حتى نجي نعبج لذيل امك الكرش
قطع حسك هذاك السارح/ خلي الدرية تنعس ف خاطرها / والله القسم اللزم /نحن بالله وبالشرع 8
خلاء دار امه5 / سير وحتى للغد ويحن الله وإلا ذنوبكم على رؤوسكم 14
5*الغدر: في ذروة الصراعات المتعددة الأبعاد التي تتخذ سمات معينة يحضر الغدر كسلوك تاريخي يتغيى به الفرد تحقيق قفزة معينة في مضمار معين ،وفي الرواية تجسيد لهذا الاتجاه ،ويحضر الأمر بطرق عديدة فتارة بصيغة الأنا :تفليت عليكم 4 وتارة بصيغة الغائب :الإخوة تقاسموا التركة وشطبوه من الحساب 36 / المطور 4 وتارة أخرى بصيغة تشير لضرورة الاحتياط من القادم من الأفعال والتحذير من ذلك الشخص بصيغة التصغير في إشارة لذم فعل الغدر في حد ذاته :كن على بال راه غديدير 34
6*الترغيب :لقد تكرس تاريخيا في المجتمع البدوي الذي تجري في إطاره أحداث الرواية ظاهرة الطلب من شخص ما يمتلك سلطة مادية أو معنوية بكل الطرق الممكنة التي تحيل على رجاء ملح جدا الطليب والرغيب والتعوريط وبوس الرجلين 12 ويبقى فيه إرضاء الشخص عنصرا محوريا *مايكون خاطرك الشريف* هذا الأخير الذي يرفض تنفيذ شيء ما باحتيال مثلا أوبتعال ياك بعد غير بالخاطر 12
7*الخنوع في العلاقة مع الآخر تبرز ذهنية الانضباط غير المبرر أحيانا خاصة مع المخزن حيث ترى كلمة * نعم اس *مازالت تحفر جيدا في المخيال الجمعي واللاشعور الفردي .
3+سلوك الكاتب إزاء المتلقي
في علاقته مع المتلقي المستهدف اتخذ الكاتب مواقف عديدة يمكن جرد بعضها
1- الصدمة:إن القارئ للرواية يجد فيها صدمات خاصة من خلال المواقف الآتية :
+ طبيعة العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع البدوي ( غدر /خيانة زوجية /حقد وحسد/النظرة للمخزن نظرة وقار /…….)
+طبيعة الألفاظ المستعملة والتي هي تعبير حي عن ما نتحدث به في واقعنا بدون أدنى إحراج وهي بمثابة خبز يومي.
ترى لماذا اعتمد الكاتب هذا القاموس الخاص من المصطلحات غير المألوفة في مجتمعنا:
1. هل استهدف إبراز الواقع دون مساحيق ؟ فلماذا يصر بعض الكتاب على سرد ما يجري من أحداث مجتمعية ب *حشمة













