مدونة الكاتب العالمي الكبير....ولد البنورية الصغرى  

 

 

 

قراءة في “عاشق أخرس”

كتبهاالحبيب الدائم ربي ، في 28 أكتوبر 2009 الساعة: 11:14 ص

افتراضي قراءة في عاشقِ الحبيب الدايم ربي الأخرس
 

 


 
 
عـثرة الحظ أوقعته في سؤال ما كان يتوقعه . رجل ثقيل يسأله من غير مناسبة عن معنى كلمة “خرساء” التي ابتدأ بها شاعر مجهول قصيدة . دون جدوى كان يتتبع حركة الشفاه السائلة: خرساء ، خرساء ، خرساء . فما التقط من الإيماءات إشارة . بعد لأي ، وحين كاد صبر السائل ينفد ، جاءه الفرج فردّ في حرج : خرساء من لا ترد ، أو بالأحرى من تتعمد عدم الكلام.
وانتهت الواقعة هنا برجل ثقيل الظل وآخر ثقيل السمع ، يلتقيان على مضض ، ويفرنقعان من دون ندم. الرجل الفضولي سوف يمضي إلى مزيد الرعونة ، بينما سينصرف الذي يخونه السماع إلى البرطمة بسباب لا يوفر قليلي الذوق والشعراء من الحساب . سيستعيد ، من دون ريب ، هذه اللحظة بغير قليل من الامتعاظ ؛ ويبصق في وجه الوقاحة . بيْدَ أن شكوكا ستر
اوده بشأن مفردة ” خرساء”. ستبدو له غير مناسبة للتعبير عن حبسة الشفاه وحدها. أما كان للقواميس أن تخص بها ، أيضا ، من لا يسمعون مثله ؟ قد يحتج في سكون.وقد لا يكون تبعا لمنطق الحكاية .

 

***

على صمت كان يتلظى بحبها . يترصدها من بعيد كي يتأمل الجرة تلامس شعرها الجموح كلما قصدت عين الماء للسقيا . العشق مذلة . وهو حين يأتي من أخرس يغدو فعلا أقرب إلى الشناعة. كان قد أوغل في التيه. عيناه بوابتان لقصيدة مخلعة الأوزان صماء ، والجمال المترجل أمامه ، متثنيا ، سبحان الخالق الناطق . كأنما كانت صاحبته على غيمة تخطو ، خفيفة ، رشيقة ، صموتة. تعبر التلة في ذهاب وإياب. لم يعد قلبه يطاوعه ليبقى نائيا ، يتأمل “خرساءه ” من خلل سد القصب . ما صار السر واحدا وإنما غدا اثنين وثالثهما عاذل قد يقتحم المشهد مدعيا الاستفسار عما قاله شاعر مزعوم في الحبيبة. والحبيبة ، مهما صدّت ، هاهي تقترب ، لم تعد بدورها قادرة على الصمود أكثر.
ولأنها كانت مثله خرساء فقد ناولته جعبة قصب كي يسكب فيها هواه . ففعل . انذرفت دموعه فوق القصبة فخرمتها سبع خرمات . وعلى مدى أيام الأسبوع ، ومنذ كان الماء والقصب ، راحت النايات، كلما هبت الريح ، تشدو بأنغام شجية يزعم العواذل أنها لعاشق أخرس يلوذ بحقول القصب!


 


 

 
 

 

 

قصة "عاشق أخرس" للكاتب المبدع حبيب الدايم ربي نص قابل لقراءات وتصنيفات متباينة. ولا أملك غير رغبتي إذ أعرب عن بهجتي بقراءة تدفعني لكتابة النص بظلاله الخرساء. به وجدت نكهة كنت إليها مشتاقا فتذوقت واستمتعت واستفدت…
راقتني في النص كثافته المدهشة التي لا تقتصر على "الحدث" القصصي، بل تتجاوزه أو تجوز به نحو الحضور السري لنداء الشعر رغم أن النص يتلبس بصفة النثر.. ويروقني هنا أن أبتسم، إذ أرى ما يبنيه النص باللغة و"الحدث" والحواس (كقوى فاعلة محورية) من كائنات لا يروق لها عَروض القصة التقليدية ولا بيت الخليل الذي أتخيل وضعه الأخرس لو يبعث من جديد فيشنف أذنيه البدويتين بموسيقى التيكنو الأكثر حداثة من إيقاعات سوق الدقاقين…

عاشق أخرس نص مليء بالثقوب، وهي ثقوب شبيهة بثقوب الناي، أو بتلك التي تُرى من خلل خيوط بيت العنكبوت تحت قمر النص/الليل: الخرساء التي يحجبها النص إذ يمنعها من الكلام ويخفي زيّها وجسمها ما عدا شعرها الجموح (مثل حصان) إذ تقصد عين السقيا واللقيا (موطن الجن والشعر والحب منذ العهود السحيقة). رؤيا حالمة. قبضة على الجمر المستحيل. مفردات تصرخ مثل المواليد القادمين برئاتهم إلى هواء العالم الجديد، لكنما صوتها لا تتلقفه الآذان بل العيون التي تتابع الإيماءات والحركات فيما يشبه البرزخ المليء بالأسرار: بين الشعر والقص، بين الأذن والعين، بين اللسان والكلام، بين النصين الحاضر والغائب/ المقيم والمهاجر، بين المفردة والمعنى…. ولنلاحظ هنا كيف أن المسرود عنه يقدم تعريفا جديدا للنعت الذي وصف به العاشق: الخرساء من لا ترد (هذه مَعْجمة جديدة للفظة المكرورة المتداولة منذ القديم، لكن هذه الجدة المبدئية سرعان ما تغدو عتيقة ومكرورة في نهاية النص الأول من النص إذ نقرأ:

"بيْدَ أن شكوكا ستراوده بشأن مفردة خرساء. ستبدو له غير مناسبة للتعبير عن حبسة الشفاه وحدها. أما كان للقواميس أن تخص بها ، أيضا ، من لا يسمعون مثله ؟ قد يحتج في سكون.وقد لا يكون . تبعا لمنطق الحكاية ."

بهذا الميلاد الجديد للمفردة، بين بداية الفقرة ونهايتها، تتنامى أحداث القصة وتنكتب تفاصيلها التي تنفلت من العد والقبض: قصة تتخذ من المفردات شخصياتها المحورية، وهذا ما يجعلها تجسيدا قصصيا للقصيدة في إحدى أبهى تجلياتها عبر العصور: إعادة تسمية العالم وإسقاط الحجب عن المغيّب واللامسمى… النداء بالاسم الأول على الوليد القادم من ليل الرحم اللغوي إلى انبثاق النص..

أرى أن ما تحدثه هذه القصة بعروض القص هو عين ما تحدثه القصيدة بعروض الشعر. ثمة ماء في النص يتمنع، يهرب، يتجدد مثل غيمات تداعب قمر النص الأخرس، في أفق، خال من السآمة، مليء بنجوم قضت ولم يبق منها غير الضوء…

هاته القصة ، رغم (أو بسبب؟) مشاكستها الإبداعية لعروض القص وإيغالها في الأفق الحداثي للكتابة، تغازل ماء الحكايات البدائية مانحة للقَصب قدرة الحكي الأبدي… وهذا ما يضيف لمفردة "خرساء" دلالة يشير إليها النص ولا ينطق بها: إنها المسكوت عنه… نص القارئ ومسكنه الذي ينسيه غيرية النص أو انتسابه لكاتب-شاعر اسمه حبيب الدايم ربي… تفاصيل الدنيا الصغيرة تتبدل بسرعة مذهلة… كلمات النص ثابته في سياقاتها، لكنها تتزلزل بذوات قرائها وتنكتب لها حيوات ومصائر متعددة ومتجددة: لنلتفت هنا إلى وعي النص بالأهمية الحيوية للتجاورات النصية فنراه يستضيف مدونة تراثية تبدأ كلها بمفردة خرساء.. / يستضيف القول الذي حفظناه بوازع الضحك ومحض لذة النطق بالعسير: مالكم تكأكأتم… الخ… افرنقعوا…/ يستضيف بيت الشاعر القديم الذي يصف مرور المرأة إلى بيت جارتها بما يشبه الغيمة … فلا ريث ولا عجل…/ يستضيف صوت الحكمة الذي يبطل السر بالثالث الذي يرفعه (شخصية الفضولي)…/ … الخ.. الخ.

انقسام النص الظاهري إلى قسمين يجعل حنين النص إلى نصه (نصفه) واردا (الحكاية الشعبية بالدارجة المغربية)، لذلك ينوب الناي مناب الراحلين، ويشتد الحزن، تنسكب من عين العاشق سبع دمعات هي أصدق قصيدة عشق يكتبها الإنسان ثُقوباً على القصب-الناي (لا بالقصب الذي منه كانت تصنع الأقلام قديما…).rv

               بقلم منعم الأزرق

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مشاكسات صديقة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

 

شكرا على العبور  الأنيق

   إلى اللقاء