عبد الكبير الخطيبي وقلق الأسئلة
كتبهاالحبيب الدائم ربي ، في 31 مايو 2009 الساعة: 09:24 ص
*الحبيب الدائم ربي
حينما يؤسس المفكرون والفلاسفة الكبار مشاريعهم النظرية عادة ما يحرصون على صونها من عوامل الهدم والتعرية. يتمترسون خلف خنادقها بعناد واستعلاء ، حتى لكأن العالم كله قد صار عندهم منظورا إليه من قمة برج. و مع الزمن يتحول هؤلاء إلى رهائن تقيم في سجون ومعازل مفصولة عن الواقع. وهذا أمر منطقي وطبيعي بالنظر إلى صلابة الدعائم التي يبني عليها “النافذون” أطاريحهم والحجج التي يوفرونها لها.وحده عبد الكبير الخطيبي، وهو كبير الكبار، كان واعيا بمزالق اليقينيات مهما كانت راسخة.مما جعله لا يستسيغ الحديث عن مشاريع آنية أو مستقبلية، ولا الاستكانة إلى قناعات وهمية. لشدما كانت تزعجه الصفات التي يطلقها عليه الآخرون بكونه أستاذا وفيلسوفا وأديبا وعالم اجتماع، كانت تريحة صفة”المسّاح” رغم أن ما كان ينهض به أكبر من مشروع يناط بفرد. لقد كان كل هؤلاء وباقتدار. ما كان يحركه أكثر هو الأسئلة الحادة والقلقة، حول الذات والعالم ، نابشا في التفاصيل الدقيقة للكينونة والهوية، حيث يتمفصل الواقع والمتخيل، وترتهن الرموز والعلامات إلى ما لايدرك كله. فاللغة عنده سؤال ومنفى، والجسد سؤال ومنفى ، والأدب سؤال ومنفى، والنقد سؤال ومنفى .لذا فالقلق الإبستيمي والوجودي يثويان أبدا ، ومنذ الأزل، في أسئلة لا تنتهي. ليس هذا وحسب، بل إن السؤال بدوره سؤال ومنفى.كان الخطيبي يوغل في الإنصات والأجوبة لا تعني إلا غيره. بمعنى أنه كان شكاكا ونقده كان موجها في كل الاتجاهات، وهو نقد مزدوج ومتعدد، للذات والآخر وللماضي والحاضر والمستقبل، إفرادا وجمعا. فإذا كان ديكارت ، مثلا، قد بنى مصادراته على جوهرانية العقل والتفكير بما هما مسلمتان يقاس بهما الوعي بالوجود وإثباته، فإن الخطيبي كان حذرا من ورطة الإقامة في الخانات المريحة،فمنزلته هي البين بين. وبقدرما كان مشّاء، عابرا للأجيال والأزمنة، نافيا- بالمعنى الكيركغادي، للبداهات، كان أيضا مخترقا للحدود والتخصصات والأجناس الفكرية والتعبيرية،وإن كان ذلك الانفلات بدوره يقيّد حريته، ويراه بمثابة عود أبدي للنمطية وسلطة المراجع التي تكبل الذات واللغة والجسد… ” فالتراثوية والسلفية والعقلانية”، الأقانيم الثلاثة المتحكمة في تاريخ المغرب والتي تقتل شعاراتها بدل إحيائها لأنها ترهن الإنسان إما للسياج الميتافيزيقي أو لقانون البشر، يراها أشبه بـ”استلاب مقلوب” ومضاعف، إذا ما استعرنا تعبيره وهو يتحدث عن كتاب الرواية بالمغرب الكبير الذين أنجزوا أعمالا بالفرنسية، لكنها ظلت لا هي عربية ولا هي فرنسية،في نظر النقد، هذا الأخير الذي ما هو إلا عنوان أزمة في وضع ناشز على أكثر من صعيد،سواء في العلاقة بالأنا أو بالآخر أو بالتاريخ. أجل لم يكن الخطيبي مؤرخا ولا عالم اجتماع ولا سيميولوجيا ولا أديبا عاديا، وإنما كانهم جميعا بطريقته الخاصة دون أن يكون أحدهم . صحيح أنه انشغل بقضايا مصيرية “كالمغرب”" والمغرب الكبير” المنسي أو اللامفكر فيه، ومشكلة صراع الوجود العربي الإسرائيلي و غيرها من الأمور الشائكة، بيد أنه لم يكن همه الاتكاء على “مواضيع كبرى” كي يفجر أسئلته الحارقة في قلب الإشكاليات الأكثر حساسية، بل، فضلا عن ذلك، اهتم بالدقائق التي ما كان ينتبه إلا القلة، رغم اتصالها الوثيق باليومي والمعيش، أي بتلك الاستعارات التي نحياها دون أن نفطن إلى الوجه الخفي فيها، كالوشم وطقوسيات الجسد والثقافة الشعبية ، معيدا تحريرها وتفكيكها بمنظور يبرز إلى أي مدى أن أجسادنا مثلا، هي متعاية عنا ولو بدت لنا محايثة وواقعية، وأن لغتنا غريبة عنا ولو بدت مألوفة، فلغتنا الأمة،دوارج عربية وأمازيغيات، غير مكتوبة، وإلى أي مدى أن البدهي ليس بدهيا تماما.والمسألة في مجملها مسألة كتابة تخترق الواقع بشكل عنيف ومن دون معجزات ولا نسقية مظنونة.
كل هذا الثراء والتنوع لم يخلق للخطيبي مريدين ولا أتباعا يروجون لأفكاره. لا لشيء إلا لكونه لم يسْعَ إلى ذلك ولا استلطفه. لهذا ألفيناه متفردا، وحيدا في عزلته، في صمته ووقاره، حيا وميتا. ما جعل كثيرا من القراء العرب، الذين ما عرفوه إلا عبر الترجمات، يصفونه بالمنسي والنخبوي والسوسيولوجي الصوفي وما إلى ذلك من نعوت توحي بأنهم ما استوعبوه إلا نصف استيعاب.والواقع أن كتابات الخطيبي مراوغة،مربكة وموغلة في الجرح الشخصي والجمعي، وهي بذلك لا تشفي غليل من يبحث عن خلاص في أجوبة نهائية، باختصار لأنها قد توقظ مزيدا من الأسئلة، وتهدم صرح كل اطمئنان.
كل منا يدعي، الآن، قراءة أعمال الخطيبي الفكرية والأدبية ولا أحد قرأها حقا. فهي لا تقدم معرفة ثابتة ولا تدعو إلى عقيدة مخصوصة. لكنها في المقابل تغذي فضول طرح الأسئلة باستمرار. فهل قرأنا الخطيبي؟ وكيف قرأناه؟ وبأي صيغة علينا أن نقرأه الآن كأحد مراجعنا الأساس بحثا عن سبل تعيد تشخيص “غمتنا “المشتركة؟
لعل تعلم صوغ أسئلة نافذة إزاء قراءة أعمال عبد الكبير الخطيبي وإعادة قراءتها من جديد الضمان الأكيد لقراءة خصيبة ومنتجة تتماشى وما اختطه- لنفسه من سبيل- فقيدنا الكبير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مشاكسة المقال | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























