أنفلونزا القصة القصيرة جدا
كتبهاالحبيب الدائم ربي ، في 31 مايو 2009 الساعة: 09:09 ص
مدونات مكتوب - اضف ادراجا جديدا.
.الحبيب الدائم ربي
قد تنشأ الأنواع الحية وترتقي وتنقرض تبعا لقوانين طبيعية تكاد تكون ثابتة، هذا ما أكدت عليه النظرية الداروينية،و أبرزه ابن خلدون على مستوى تطورالعمران البشري و صيرورة حياة الأمم والشعوب. و القول بـ”الثبات”-هنا- لا ينفي المصادفة بماهي قانون انزياحي غير مدرك لدينا بما يكفي. ومعناه أن الخلق والوجود تتجاذبهما القصدية، وهي شبه مفهومة، كما تتجاذبهما “الحوادث العارضة” التي من تجلياتها الفيوض والطفرات وما لايقاس عليه. وعلى ذكر المقايسة فإننا سنفترض أن جنس القصة القصيرة جدا- في مجال النوع الأدبي- جاء ليحل مأزقا فنيا وجماليا ضاقت عنه القصة الأقل قصرا، ولو أن للنزوات غير المبرّرة - أحيانا- أدوار في الاستحداثات الطارئة تماما كالأوبئة والجوائح حين تطم وتعم . صحيح أن الحاجة الإبداعية إلى التجديد كانت وستظل حقيقة لامراء فيها، بيد أنها، في هذه الحالة،قد تنطوي على بعض التضليل،فكم من اختراع لم تولده ضرورة. وإن كنا نرجح عدم مجانية استحداث جنيس القصة القصيرة جدا في مغرب اليوم، واليوم المقصود كان فجره منذ تسعينيات القرن الماضي ومازلنا في ضحاه .كما نرجح أن يكون دور هذا الجنيس مثل دور قصيدة النثر يوم فتحت للشعراء الخلاقين آفاقا جديدة لم تيسرها لهم قصيدة التفعيلة إلا قليلا..لكن الوجه الثاني للعملة هو أن بعض ذوي النفس القصصي الضيق تلقفوا هذه الإمكانية بملء عجزهم كما تمسك بعض المتشاعرين بالنثرية للاحتيال على ورطتهم الشعرية غير القابلة للبرء.وراحوا يفاضلون بين جنس وجنس وقصة وقصة. ولعل المفاضلة بين القصير والقصير جدا في السرد القصصي- كما في التنانير- والتي يحاول بعضهم الإيحاء بها في ادعائية ونفاجة زائدين، لا معنى لها في المطلق مادام الأمر متروكا إلى ما تخبئه التنانير لا إلى التنانير ذاتها و مادامت الأجواخ لا تصنع ممن لا أناقة ولا جمال لهن، حسناوات بالضرورة.
لسنا مؤهلين لدينا للحسم في رأي حول أسباب نزول القصة القصيرة، أو على الأقل شيوع الحديث عنها في فترة مخصوصة،وإن كنا نجازف بالقول بأن طبيعة التحولات التاريخية والسوسيوثقافية الناحية نحو الاقتصاد في الوقت والجهد قضت بضرورة البحث عن ميكروقصة قابلة للتداول السريع ككناية على “موت القراءة” الرحيم بوباء “أنفلونزا القصة القصيرة جدا”. وترجمة هذا الكلام تجد صدقيتها في كون المواطن العربي- والمغربي على وجه التحديد- وفقا لآخر الإحصائيات،أضحى معدل مقروئه السنوى “قصة قصيرة جدا”، أي قصة في حدود ستة أسطر كحد أقصى ، لاغير. سيكون مفيدا وجميلا- على مضض- أن يكتفي كل فرد منا بزاد سنوي يوازي نصا بهذا الحجم المضغوط ، المركز، المصفى. فللكثافة شفاعتها في تعويض الفقر الفادح.والعزاء في الأثر العميق حين يكون هناك أثر. غير أن استقراء كثير مما يطلق عليه”قصة قصيرة” بدا لنا وكأنه يسير عكس ما خصص له من أحياز وسطور…ففي الوقت الذي كان من المفروض فيه أن ينضغط ، وشحن، ويشحذ و….ألفيناه يستنزف قصره المفرط في إنشائية معيبة..فيبدو مترهلا وبلا حرارة .
إذن فالشروط الموضوعية كانت ناضجة تقريبا لإحياء جنس سردي قديم على مستوى الخطابات النظرية الواصفة لا على صعيد المتون التي لايبدو أنها لاتختلف كثيرا عن متون عرفها تراثنا السردي العربي منذ كان. سنزعم أن قصاصين عربا مغاربة ،محدودي العدد، قد جربوا هذا الإبدال السردي بغير قليل من الاقتدار،لا كملمح إبداعي يخصهم وإنما كتنويع يملؤون به فراغات الكتابة دونما توقف في محطاته النهائية ، فيما تلقفه آخرون تشبث الغريق بقشه.فاختزل كل الحكي عندهم في قصص قصيرة جدا وما سواه، برأيهم، بات لا يعول عليه. حتى أن الشذرات والخواطر والأقواس والهلوسات والحكم والأمثال وما لا جنس له آلت بقدرة “قصاصين قصار” قصصا قصيرة جدا . إلى درجة أن كل نص قصير جدا – وأي نص- بات في ظل هذا الالتباس قصة قصيرة جدا. قد تكون للنقاد أعذارهم غير الوجيهة في الترويج- بعد إفلاس النظريات الكبرى- لمولود خديج سيظل، ككل تمرين لغوي، عصيا على التجنيسات …وتجنسه الوحيد أن يكون غاية في القصر ، مع ما يطبع هذه الخاصية الكمية من هشاشة ،وما تبقى مجرد نوايا لا برهان عليها على الصعيد المتني.إنه، بهذا المعنى، البديل المفترض قوة وزجا،وبتوجيهات متعالية على النصوص، للحكاية ،فيما الحجج والبراهين النظرية والتطبيقية الداعمة لهذا الزعم تكاد لا تقنع أحدا، بما في ذلك إقناع “القصقوصين”- تصغير غير قياسي- أنفسهم، بدءا بالتسمية بالغة الركاكة : القصة القصيرة جدا، بما هي صيغة للتصغير لا يستسيغها نسق لغوي عربي سليم. فلربما تفي بالغرض كلمة “أقصوصة” المتداولة منذ القرن الماضي عند رواد القصة الطويلة أو “القصيصة” بضم القاص وفتح الصادين- علما بأن مصطلح القصص الطويلة كان يقابل عند هيكل وتيمور وما إليهما ما نطلق عليه اليوم “الرواية”- دونما انتهاء بالمنجز المتحقق لحد الآن الذي لا يبل صدى ولا يغني من سغب. ولولا بوارق أمل في كتاب بعينهم ما انفكوا يشرفون السرد العربي والمغربي بسرودهم الطويلة والمتوسطة والقصيرة لخشينا على أدبنا الحديث من حمى القصة القصيرة جدا، التي اجتاحت عوالم القص، وتحولت إلى بؤرة توفر ملاذا للباحثين عن موطء قدم في دنيا الكتابة، في غياب حيازة حد أدنى من الموهبة والمؤهلات. ولأن هناك من يأكل الحصرم وهناك من يضرس فإن الأخباريين والمتصوفة والقصاصين الماهد ين كالجاحظ وابن المقع وابن عرب وإخوان الصفا والنفري ويحي الل ونجيب محفوظ- في أصداء السيرة” و في المغرب سيكون محمد إبراهيم بوعلو أكبر المتضررين- المضروسين- من عدم نيل شرف فتح هو فارسه الأول في بلادنا دون منازع، وسيتأذى كتاب آخرون منهم أحمد زيادي وعثمان أشقرا مثلا في تجاربهما الصحفية خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، وآخرون. وضريبة هؤلاء جميعا أن القصة القصيرة جدا يراد لها أن تكون مشروطة بوعي نظري- كذا- بمعنى أن النوايا والمقصديات هي التي تفصل بين قاص قصير جدا وآخر ليس جديرا بحمل هذه الصفة المثيرة للجدل.وكل نص أو قاص لا مرجعية نظرية واعية له وبه ليس قاصا قصيرا جدا ، وما يكتبه ليس قصة قصيرة جدا ولو كان قصة قصيرة جدا فعلا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مشاكسة المقال | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























