الرواية العربية ورهان التجديد
للدكتور محمد برادة
عرض علي أيت سعيد
بنية الكتاب وتعريف صاحبه :
يتألف كتاب الرواية العربية ورهان التجديد من تصديرين ومدخل وأربعة فصول وست قراءات وملحق يتضمن ترجمة حوار ومقالة وعرض ولائحة المصادر والمراجع في 183صفحة من القطع المتوسط وقد ظهر في شهر مايو2011.
من الفلسفة الزائدة أن يعمد المرء إلى تعريف الدكتور محمد برادة الذي ندر حياته في إنارة درب الإنسان العربي نحو التقدم والإنعتاق من براثن القهر بفضل ما أنجزه من دراسات وترجمات وقصص وروايات ومقالات منذ أن تعلم كيف يعانق هموم الناس إبداعا وكتابة ونقدا في كتبه الخالدة التي أثرى بها الساحة الثقافية المحلية والقطرية والعالمية، من نحو:
§ محمد مندورو تنظير النقد العربي
§ درجة الصفر للكتابة (ترجمة)
§ سلخ الجلد
§ لعبة النسيان.
§ تحليل الخطاب الروائي (ترجمة)
§ امرأة النسيان
§ الضوء الهارب
§ مثل صيف لم يتكرر.
§ إلخ.
أهداف تأليف الكتاب:
يكشف الكاتب في المدخل الذي استهل به هذا العمل النقدي عن هدفين إثنين أساسيين كامنين وراء إنجازه وهما:
v السعي إلى إعادة صوغ الإشكالية المتعلقة بحجم الإبداع وعلاقته بأسئلة المجتمعات العربية.
v تجاوز الطرح النظري الكلاسيكي القائم على أن وظيفة الفكر والأدب والإبداع بصفة عامة هي التعبير عن قضايا المجتمع العربي وتحولاته في جميع المجالات.
موضوع الكتاب:
يتناول هذا الكتاب معرفة نقدية عن تحليل الرواية العربية ردحا من الزمن؛مركزا على متن عينة من روايات موضوع هذه الدراسة التفكيكية التي تستجلي رهانات التجديد من منظور ناقد حديث يولي أهمية قصوى لإرساء خطاب نقدي جديد في صلب الثقافة العربية الراهنة.
الفورة والتراجع في الإبداع العربي الحديث:
يخيب أفق إنتظار القارئ الذي يتوقع من المؤلف أن يخصص هذا الكتاب بتحديد مفهوم الرواية العربية و نشأتها وتاريخها كما يفعل مؤرخو الأدب، ذلك لأن محمد برادة لم يشر إلى هذا بقدر ما عالج هذه الرواية من تصور مغاير ورؤية تجديدية يتأسسان على التحليل والتفكيك والتشظي والبحث عن علاقتها بالإنسان والواقع وبالحاضر والمستقبل؛ الأمر الذي جعله يربط الأدب العربي بلحظات تاريخية حصل فيها "شبه تواطؤ أو تناغم بين الثقافي والسياسي في مجابهة الإستعمار وتصفيته ص:14
وفي هذا السياق؛يرى الدكتور محمد برادة أن الإنفتاح على مرجعيات سياسية وفلسفية وإيديولوجية.أثرث بشكل مباشر على الحقل الثقافي العربي.ويستدل الدكتور على هذه المثاقفة بمفاهيم ومقولات وأطروحات كان لها على حد تعبيره "صدى في الكتابات الفكرية وفي الإبداع على اختلاف طرائق تعبيراته.."ص:16
إن هذا الإقتناع دفع الكاتب إلى إبداء ملاحظات احتراسية يمكن اجمالها في الآتي:
· المبدع يعبر عن رؤية إلى العالم بحثا عن الحقيقة عبر المحسوس والملموس والمفكر فيه.
· تحرر الأدب العربي الحديث من الوصاية السياسية والإملاء الشعبي.
· إنبجاس فورة إبداعية وفكرية مستقلة عن المجال السياسي والإيديولوجي.
· ظهور إبداعات لصيقة بتعذيب الإنسان العربي وسجنه وقمعه و قتله في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين المنصرم.
· تحول الإبداع العربي إلى "عين سرية تتغلغل في الأعماق الفردية والجماعية لتستجلي المستور وتجهر بما تكتمه خطابات السلطة الرسمية ورقابتها" ص:18.
تأسيسا على هذا؛ينتقل الناقد محمد برادة إلى البحث عن العوامل التي ساهمت في لحظات الفورة والتجدد المتجسدة أساسا في غياب أدب منافس وبروز قصيدة النثر وأشكال فنية جديدة مما أدى إلى خلخلة الموروث الثقافي الكلاسيكي.
الإبداع تعبير عن المجتمع العربي:
تمت الإشارة آنفا إلى أن الكاتب محمد برادة يروم دحض مقولة نقدية سائدة عند نقاد كثر مفادها "أن الإبداع تعبير عن قضايا المجتمع وتحولاته"ويتحفظ على حقيقة هذه المقولة؛ويتبنى في الوقت ذاته تصورا جديدا يتمثل في الأسس التالية:
1. لايمكن أن يكون الإبداع استنساخا أو تكرارا لما هو رائج وملحوظ في دنيا الواقع.
2. الإبداع ينحو إلى إعادة خلق الأشياء والعلائق والقضايا في صيغ جمالية ورؤى فنية.
3. صعوبة إحاطة الإبداع بحجم التحولات والقضايا التي يعيشها كل مجتمع من مجتمعات العالم العربي.
4. إن علاقة الإبداع بالمجتمع أو الواقع علاقة غير مباشرة وأبعد ما تكون عن التطابق.
ويقترح الكاتب في هذا المضمار مقولة بديلة هي:"الإبداع تعبير عن وجود الإنسان داخل فضاء نفسي واجتماعي وسياسي". ص:21.
ولاشك أنه يتوخى من هذا التعريف النظري إثارة أهمية المنطلقات التالية:
استقلالية الإبداع عن التبعية لمحافل سلطوية.
انتاج فن من أجل الفن.
تفاعل المبدع مع تاريخه الشخصي ومجتمعه.
بناء على هذه المنطلقات يلاحظ الأستاذ محمد برادة أن عبد الله العروي تحدث سنة 1967 في كتابه"الإيديولوجيا العربية المعاصرة " عن تصور فلسفي نقدي متكامل للذات في مفهومها الجماعي والسوسيولوجي وعلاقتها بالسياقات العالمية التي ساهمت في تبلور الإبداع العربي الحديث.
ويستخلص مما تقدم ومن منظور ناقد عاين الإبداع العربي ما يزيد عن أربعين عاما أنه عبر عن النزعة التحررية والإنتقادية وكشف عن ثغرات السلطة وتناقضاتها. ص:23
إعادة صياغة الإشكالية:
الإشكالية هي" نسق من المشكلات التي سيواجهها الباحث في مجال معين من مجالات المعرفة والنشاط الإنساني"
إنطلاقا من مفهوم الإشكالية كما هو وارد في معاجم فلسفية يجد محمد برادة ذاته واقفا على ضرورة إعادة صياغة إشكالية تسائل وجود الإبداع والفكر في المجتمعات العربية لوضع اليد على الشروط المعاكسة لأي تطوير ممكن؛ويمكن اختزال أهم متغيراتها في:
· عدم تشجيع الإنفتاح على العصر والأسئلة الكونية.
· انفصال الدولة عن المجتمع المدني ومؤسساته الحيوية.
· إنتشار مظاهر إجتماعية كالأمية والفقر والطبقية.
· تراجع القوى التنويرية وصعود الأصولية.
يراهن الدكتور محمد برادة على دور الإبداع الأدبي فــي النهــوض بالمجتمعات العربية والإرتقاء بهــا فكريا وسياسيا وإيديولوجيا عن طريق الإلتزام والممارسة والحضور والإنتاج.
تأسيسا علــى هــذا الرهان التجأ الكاتب في هذا المؤلف إلى الكشف عن علاقة الكتابة بالرواية باعتبارهما مكونين متلازمين في التعبير عن الرؤية إلى العالم، ويسمحان له بالإجابة عن موضوع الإشكالية التي صاغها سابقا.
ويصرح في هذا الاطار أنه استعار مفهوم الكتابة من النافد رولان بارط ومفهوم التلفظ من رومان جاكبسون لصياغة تعريف جديد يقول عنه "الكتابة هي مجال تجلي وعي الكاتب بمختلف الأجناس الأدبية ،ووظيفة اللغة والشكل في تحريك المقاييس الجمالية"ص32
وراح يبحث عن تجليات هذا التحديد النظري في الأدب العربي الحديث بصفة عامة وفي الكتابة الروائية بالخصوص،ويخلص إلى هذا الأمر الذي يستدعي اعتماد الثوابت الآتية:
· استقلال الرواية وحمايتها من الإستخدام الإيديولوجي أو السياسي.
· تفاعل كاتب الرواية مع النموذج الروائي العالمي.
· تذويت الكتابة الروائية أو ربط كتابة الرواية بالذات.
ويستنتج محمد برادة أن المنجز الروائي الذي كتب في العالم العربي بدءا برواية زينب للأديب حسين هيكل إلى رواية القوس والفراشة للكاتب محمد الأشعري، جعلها تتبوأ مكانة متميزة في مدار الرواية العالمية بعد أن أصبحت"وصف حالة العالم والمجتمع والذات "ص:40
لا شك أن تحديد ماهية مفهوم التجدد ليس من السهولة بمكان، ولاسيما أن هناك مفاهيم محايثة له من نحو:الجديد والإبــداع والإبتكار والتجريب…لا تخضع إلى مقاييس مضبوطة ولا إلى التعاقب الزمني.
و يؤكد محمد برادة في هذا المجال أن رفع الإلتباس عن حقيقة الرواية الجديدة،قضية نقدية أساسية،ومن ثم يقر الآتي:
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ